المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
09/09/2020
دقيقة قراءة
2 مشاهدة
09/09/2020
دقيقة قراءة
2 مشاهدة
النصوص العابرة
أذكر أنّي في زحمة التقارير التلفزيونية التي تكلّفنا بها الجامعة كنتُ أقضي وقتًا طويلًا في تحرّي العناوين التي أرى فيها استثمارًا جيّدًا في رواية القصة، حتّى أنّ هذا الأمر يجعلني مضطرًا للعمل على مشاريعي النهائية وتسليمها في اللحظات الأخيرة، شأني في ذلك شأن كثيرٍ من الطلاب. كنتُ حينها مؤمنًا بالتميّز وصناعة الفارق، فاتحًا ذراعيّ للشغف أضمُّهُ بين جنبيّ، كانت قصص النجاح هي موضوعنا الذي نبحث عن نماذجه، ووسائل التواصل الاجتماعي ملاذنا الأول والأخير، بعد أن صارت فكرة النجاح مرتبطةً بوجودنا في هذه المنصّات؛ الأرقام، التفاعل، الإعجابات، الحضور، البريق، كلها مؤشرات للتقييم، كما أنّها سهلةٌ في البحث. في تلك السنوات كان يحدّثني صديقٌ عن فكرة مشابهة تمامًا، عندما قلّ حضوره معنا، هنا حيث نستهلك الوقت في التجوّل بين التغريدات، والنظر في الصور والتعليقات، والثرثرة مع من نسمّيهم أصدقاء افتراضيين، كان صديقي هذا يُلام بعدم وجوده في الحياة؛ كان يقول بأسف: “عدم مشاركتي هنا في هذا العالم الافتراضي، لا يعني أنّي لا أُنجزُ شيئًا في العالم الواقعي”. عطفًا على ما بدأتُ به، أخذتُ على نفسي عهدًا ألّا أسلك الطريق السهل في البحث، وأن أنغمس وسط الناس أحاول اقتناص من يستحقُّ أن يُشاع اسمه ويُذاع صيته وتتداوله الألسن، فكم كنت ولا زلت مؤمنًا بالمظاليم الذين تحتضنهم الحواري ولا تلتفت إليهم العدسات، أولئك الذي يمتلئون قصصًا ويفيضون حكمةً، تتحدّث تجاعيدهم عمّا ألفوه من قسوة الحياة، ولا تكذب رعشة عيونهم أبدًا. وكم هو حريٌ بأهل الصنعة أن يسلكوا هذا المسلك في تفعيل الباحث الجادّ عن القصص، وأن تلتفت عدساتهم للذين لم يلتفت إليهم أحد، ولا ينجرفوا وراء تيّار الأرقام، من الذين تشبّعت المنصّات بحضورهم، وأن ينشغل الإعلام الجادّ بصناعة النجوم الحقيقيين، ومدّهم بفرصة الظهور على الشاشة التي لم تفقد بريقها بالكامل، ورواية القصّة التي لم نسمع بها يومًا، تلك التي تستحقّ أن يُشار لها بالبنان.
25/08/2020
دقيقة قراءة
1 مشاهدة
25/08/2020
دقيقة قراءة
1 مشاهدة
20/08/2020
دقيقتان قراءة
1 مشاهدة
20/08/2020
دقيقتان قراءة
1 مشاهدة
11/08/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
11/08/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
09/08/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
09/08/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
28/07/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
28/07/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
21/07/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
21/07/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
21/07/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
21/07/2020
دقيقة قراءة
0 مشاهدة
14/07/2020
دقيقتان قراءة
0 مشاهدة
14/07/2020
دقيقتان قراءة
0 مشاهدة
07/07/2020
دقيقتان قراءة
1 مشاهدة
07/07/2020
دقيقتان قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
على غير العادة؛ عدتُ من السوق مُترفًا هذا اليوم، أحملُ الأكياس بكلتا يديّ، مرّتْ بطاقتي فوق آلة الدفع، وسمعتُ صوتها المشهور مرّاتٍ عديدة، ساقني شيءٌ ما للوقوف عند باب المنزل بطريقةٍ عكسية تكون فيه واجهة سيارتي مطلّةً على حاوية القمامة -مع المعذرة- التي تم ركنها عند سور مدرستي الثانوية القريبة. وأنا أصفُّ السيارة في موقفها، فإذا بكائنٍ حيٍّ تبدو عليه آثار الأيّام الصعبّة، يرفع رأسه من داخل الحاوية يخرج علبة كارتون صغيرة، ثمّ يسطّحها بكسر أطرافها، وعربته مركونةً بالقرب منه تحمل عددًا لا بأس به من الشيء نفسه يبيعه بثمنٍ بخسٍ يغطي به تكاليف التعلّق بخطّ الموت جوعًا، ومن خلفة مدرسة تخرّج منها آلاف الطلبة حاملين شهادتهم الثانوية التي شقّوا بها طريقهم نحو الحياة. كان لي مع نفس الحاوية ذكرى قديمة؛ غلبني فيها الكبرياء؛ كان قد بقي أسبوع واحدٌ فقط على تسليم المشاريع النهائية، كان العامل ينظّف سيارتي الخاصة، وأخذ منها (الهاردسك) الذي أحفظ فيه كلّ أعمالي الجامعية ورماه -دون قصدٍ- في كيس صغير، ثمّ إلى القمامة مباشرةً، أذكر أنّي في تصرّف متسرّع لا أجرؤ على تكراره؛ أخذته من تلابيبه دون رحمة، وأمرته بدخول الحاوية لانتشاله منها، وقد فعل منقذًا مستقبلي بعد أن دفعت الكثير لإصلاح القرص الصلب واستعادة الملفات من داخله. كنتُ أتأمّلُ هاتين اللوحتين، في محاولة للبحث عن المعنى وراء كلّ عملية إنقاذ؛ في المرّة الأولى كنتُ أحاول إنقاذ الماضي الذي تمثّله ملفاتي القديمة والأعمال التي بذلت فيها الكثير، كما أنّها محاولة لإنقاذ المستقبل الذي لو لم أجد الملفات، لكان نصيبي الرسوب والتأخر فصلًا واحدًا فقط، في المقابل فإن بحث هذا الرجل في فضلاتنا عن لقمة عيشه هو إنقاذ لحاضره المتهالك، هو عملية انتشال نفسه من الحياة، وشتّان بين المترفين والمعدمين. هذا يقودنا إلى السموّ في تقدير المواقف، وإسقاط المعاني بناءً على الأسقف التي يستطيع الناس إدراكها، فالبطولة الشخصية قد تكمن في البحث عن كسرة خبزٍ تسدّ بها جوعك، وليست شرطًا أن تقتصر على اعتلاء للمنصّات والتبسّم للكاميرات والاعتداد بالأرقام، وكم أوردتنا المقارنات كثيرًا من المهالك، الآن فقط بتُّ أفهم الجاحظ أكثر عندما قال: “المعاني ملقاة على قارعة الطريق” الثلاثاء – 25 أغسطس 2020
النصوص العابرة
يصلني مقطعٌ أسمع فيه صوتي -الذي لا أجد له وصفًا مناسبًا- يتهادى بالفصحى من المذياع، يأتيني صديق يخبرني بالأمر نفسه يقدّمه بصيغة التساؤل: ما الذي تفعله في عكاظ؟ كنتُ أرى علامة التعجّب تتطاير فوق رأسه. كم يمضي هذا العمر سريعًا، خمسة أعوامٍ إلى الوراء، أنا تلميذٌ في مادة اللغة الإعلامية التي يشرف على تدريسها د. عوض هاشم -رحمه الله وغفر له- طلب منا تشكيل مجموعات للمشروع النهائي، كنتُ حينها لا أعرف أحدًا إلا صديقًا يُدعى محمد، والذي احتواني بدوره في مجموعته التي لا يعرف أحدًا فيها إلا عائشة التي كانت تعمل في الإذاعة آنذاك. في الاجتماع الأوّل للمشروع، اقترحت عائشة أن نحاول إنتاج عمل إذاعيّ درامي، كانت تقول نحن مجموعة شخصيّات سنقوم بتمثيل الواقع المعاصر لعدد من فئات المجتمع وعلاقتهم باللغة العربية، نعود بالزمن إلى الوراء حيث سوق عكاظ، نشارك الشعراء القدماء حياتهم الأولى، نحاورهم في اللغة والأدب، ونكون جزءًا من القصّة التي عاشوها. كانت الأفكار تتفلّت من هنا وهناك، إلى أن تمّ تكليفي بكتابة سيناريو العمل، بدأت أبحث في المراجع، أنبش القصص، أتأمّل الشعر، أحاول فهم معانيه، أتكلم مرّة بلغة الألفية الجديدة، ومرّة أخرى أتقمّص جريرًا وهو يهجو الفرزدق، كانت رحلة ممتعة، تمكنّا من تنفيذ عمل نال استحسان الشعبة، تُوّجنا على أثره بالعلامة الكاملة. إلّا أن التتويج الحقيقي بدا أثره يوم أن حدّثتني عائشة بنيّتها في تقديم المشروع في الإذاعة لتبنّيه وإنتاجه لموسم رمضان، عندها قلت؛ بدأ العمل، اجتمع الفريق؛ عائشة، مريم، علي، المخرج محمد ومعه أمينة، وأنا على استحياء، وأذكر أن سارة أيضًا شاركتنا في بداية الأمر، قبلت الفرصة لأشارك في كتابة السيناريو فإذا بي أدخل الاستديو للمشاركة بدورٍ رئيسي في كلّ حلقات العمل. كنتُ أمثّلُ شخصية شابٍ مهتمٍ باللغة والشعر العربي، لكنّه يتحدّث بها بلكنة محرقية لا تكاد تخطئها، لم يكن ذلك مخططًا له ولا جزءًا من الشخصيّة حتّى، ولكنّه اللسان وما اعتاد عليه، تشاركني مريم الاهتمامات نفسها تقريبًا، عائشة تحبّ الأدب الشعبي والشعر النبطي، وعلي أخذ البطولة في تمثيله المجتمع الجميل الذي يحبّ العربية وتحبّه؛ الأصدقاء من مجتمع “الجكن نقتس”. كانت تجربةً رائعة لطالب في سنته الجامعية الثالثة، شارك في هذا العمل كثيرون من المذيعين الأفاضل؛ حسن، فواز، فاطمة، علي، سلمان، آلاء، وغيرهم من الذين تقمّصوا أدوار كبار الشعراء في العصور المختلفة، كان أبي سعيدًا بسماع صوتي في الإذاعة، وهو الأمر الذي لم يكن في حسبان أحدٍ، كم تحمل هذه التجربة من تفاصيل صنعت منعطفات كثيرة في حياتي لعلّي أوثّق تفاصيلها أكثر يومًا ما. بالمناسبة، فإنّي قدّمت هذا البرنامج باسم نوح رياض، كان صوت عماد أخّاذًا وهو يشير إليه في نهاية كلّ حلقة. وعليه، فإني سعيدٌ بالأصدقاء الذين تشير إذاعتهم إلى 98.4. استماعًا جميلًا. الخميس – 20 أغسطس 2020
النصوص العابرة
نحن نتعرّض للكثير من الذي لا نستطيع فهمه ولا يمكننا استيعابه، يتمثّل هذا الكثير في أشكالٍ عديدة؛ في الوقت مثلًا وهو يقطع أيّامنا تعرّفنا عليه مواعيد الأحبّة؛ عطلةً وراتبًا، في القَدَر ينزل صاعقًا إلى أن يضمّنا الإيمانُ في حُضنه الدافئ، في الإنسان يمارس الجناية -هوايةً ساقه الشغف لامتهانها- في حقّ شبيهه الإنسان. هما يتشابهان بالمعنى الوصفي فقط؛ إلّا أنّهما ليسا نسخًا مكرّرة، تُشكّل التربية والبيئة والثقافة كُلًّا منهما، تصنعهما الأيام وتجاوُزِ المنعطفات ومرور الأوغاد كما يحبّ أن يتداولها أصحاب الرسائل الليلية، وكم في هذه الرسائل المكتوبة من رسائل محسوسة، إذا افترضنا -جدلًا- أنّ الرسالة هي العنصر الذي يربط المُرسِل بالمُستَقْبِل كما تصفها نظريات الإعلام، وقياسًا؛ فكلّنا في الحياة مرسلٌ ومستقبِل. إنّ في كلّ احتكاكٍ بالآخرين طردًا بريديًا؛ رسالةً مفادها ما هو معلوم للجميع، يستطيع تمييزه العاقل والمجنون؛ إلّا أنّه يحمل في جوفه مشاعر مصاحبة تتمثّل إمّا في وردةٍ أو رصاصة، تصنع أثرها في قلب المتلقي، قشّة فوق بقيّة القشّ المتراكم، وما يدريك لعلّها تكون القاصمة، القاضية التي تُرْديه أرضًا بعد عناءِ تحمّل الضربات من هنا وهناك. هذا الشعور النقيّ مجتمعٌ بكيفية تمريره على الآخرين يرفع من قيمة الإنسان الوجودية، يأخذه عاليًا بعدما يستهلك من حكمته وإنسانيته؛ التي تنعكس في أسلوب حياته؛ فيقدّر مصاب اليتيم دون أن يذكر قصة أبٍ أو أم، ويرفع من آمال المبتلين ويتعلّم من صبرهم فلا يشمتُ لا همزًا ولا لمزًا، ويقدّم حسنَ الظنّ والكلمة الجميلة في التعاطف والمواساة دون فوقية ولا استعلاء. إنّ الإنسان النبيل هو الذي يشعر بالآخرين بحساسيّةٍ عالية، يسمع جراحهم وهي تزدحم في صدورهم، فيلين قلبه، ويلمح الفرح في نور وجوههم، فيفرح معهم، ويُبْصر أحزانهم وهي تلمع في عيونهم، فيحزن إليهم، إلى أن يبادر ضميره بدفعه لصنعِ شيءٍ حيال ذلك، لكن العجز يمنعه؛ إلّا في أن يكون إنسانًا مع مرتبة الشرف، يشارك الآخرين مشاعرهم، ويقاسمهم همومهم، موقنًا بأنّ ذلك أضعف الإيمان. الثلاثاء – 11 أغسطس 2020
النصوص العابرة
قبل ستة أعوام، كنتُ واقفًا خلف الكواليس أرتجف ببذلة سوداء ارستقراطية في نهائيات المسابقة الجامعية “لايف” مستعدًا لصعود خشبة المسرح التي ينتظر المتسابق فيها حدثا تمثيليا مفاجئًا للتعليق عليه ارتجالا في تحدٍّ يختبر مهارات الإلقاء أمام الجماهير. أذكـر عندما جاء دوري دفعني المنظم للدخول، فإذا بي أتصنِّعُ ثقةً تعيني على رهبة الموقف، فخلطت الحابل بالنابل محاولا لملمة الكلمات التي خذلتني كثيرًا ذلك اليوم، أستطيع القول بعد كل هذه السنين أنّـه كان عرضًا فاشلا سقطت فيه باستحقاق وجدارة. بدأت لجنة التحكيم تقييم العرض، لم يجد اثنان منهم شيئًا ليمدحوه، فأجهزوا عليّ بسهامهم أمام كلّ هذه الجماهير الغفيرة، وأنا ابن جيلي ؛ لا أتقبل النقد بسهولة، مما جعلني ضحية تتآكل من الداخـل مـع كل كلمة تصيبني في مقتل ما، إلى أن أنقذتني في ذلك اليوم الإعلامية القديرة استقلال أحمد. على الرغم أنها لا تعرفني أبدًا ، بدأت أم زيد مداخلتها بالتأكيـد علـى إيمانها أن مستوى العرض لم يكن هو مستواي الحقيقي، وأن تقييمها لن ينصفني من خلال مسابقة من هذا النوع، وقد كانت ترى في عيني وصوتي وحماستي ولغتي وكلّ العوامل التي استخدمتها على سوء توظيفها شيئا يستحق الاهتمام. كنتُ أسمع كلامها بعيون لامعة تتّسع مع كلّ رحمة تحملها في نقدها، فقد كانت ترى في هذا الصغير المندفع إلى الحياة أملاً لا تود أن يموت من التجربة الأولى، مع علمها أن القسوة التي استخدمها زملاؤها قد تربي المرء فعلا، ولكنّها قد تحطّم أحلامه أيضًا، فاختارت بحكمــة البناء لا الهدم. ولا أقول أن الآخرين كانوا مخطئين، فلا ينبغي أن نصرف أنظارنا عن الحقيقة حبا في المجاملة، كلّ ما أريد قوله أن استقلال بهذه الروح استطاعت أن تفتح أقفال قلب لا ينسى فضلها أبدًا، وجرّب سحر كلماتها الذي لا ينكره من يستمع إلى صباح الخير يا بحرين. أظن أن الرحلة انتهت لكنّ الحديث لم ينتهِ بعد بهذه الكلمة تعلن استقلال أحمد انتهاء سبعة وثلاثين عامًا خلف المايكرفون تمسح آلام الناس وتحيي آمالهم.
النصوص العابرة
بعد عام كاملٍ ظلّ محبوسًا بداخلي، نصٌّ كان عصيًّا على رؤية النور، لا يُراد له أن يُكتبَ لحكمةٍ أجهلها، كنتُ غاصًّا به، متلَهّفًا للتخلّص منه، يدفعني الجميع إليه دفعًا، أغالبه ولا أقوى عليه، حاولتُ كتابته خمس مرّاتٍ دون جدوى، كان قلبي يخذلني في كلّ مرّة، وما أقسى فعلته هذه. دعوني أخبركم القصة؛ أكرمني الله العام الماضي بحجّة الإسلام للمرّة الأولى في حياتي، رحلة العمر التي يعود فيها المرء كما ولدته أمّه، أبيضَ القلب ناصعًا، مغفورًا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، عقدتُ العزم حينها أن أزاحمَ الفريضة وخدمة الحجيج بالاستعداد لتوثيق هذه الرحلة في خواطر مكتوبة. صاحبتُ في الطائرة العمّ بويوسف -مدّ الله في عمره- الذي يعيش عقده السابع بهمّة ونشاط، يزيّنهما بروح الشباب وكثيرٍ من التجارب، كنتُ ابنًا له أحاول البرّ والتعلّم على يده التي تشهد بعمله وسعيه لخدمة ضيوف الرحمن أعوامًا عديدة، كان يمتلئ إيمانًا، وأملًا، وعملًا، وقصصًا. إنّ القلوب هناك تهفو إلى ربّها، يتنافس أهل الله في الارتقاء بأنفسهم مراتب الصدّيقين، تفيض المعاني من وجوهٍ مِلؤها النور، يتسابق الناس في خدمة بعضهم البعض؛ كنتُ أجرّ عربة الشيخ، أهمس في أذنه؛ سألتك الدعاء، فيرمي جمرةً ثم يسأل الله لك الخير، وآخر تُبْكيه فاتحة الكتاب بعدما تمكنّت معانيها من لمّ شتاته، وعابر سبيلٍ يرويك بدعوة تنسيك مشقّة المشاعر. هذه مكافآت تُوزّع بالمجّان، تستشعر دعوة حاجٍّ بادلك المعروف بما هو خيرٌ من ذلك، تتلمّسُ البركة والتوفيق في كلّ خطوة، إلى أن تسمو روحك بدعوات الشيوخ والعجائز الذين أكرمك الله بخدمتهم، كنتُ أحملُ راية ترشد الأفواج الطريق؛ وأسأل نفسي حينها كيف لتائهٍ أن يُكرَمَ بحمل راية؟ كنت أخجل عندما يحملها عنّي العمّ بويوسف. كنتُ أستجمع نفسي في كلّ مشهد؛ منى، مزدلفة، الجمرات، يوم التروية، والوقوف بعرفة الذي كان يومًا مهيبًا، كلُّ الرجال يزيّنهم البياض، وأنا من بينهم أرتدي قميص “بولو” مبلّلًا إلى آخر النهار، بعدما أكرمنا الله بسحابة رحمةٍ تحمل مطرًا شديدًا، سالت معه العبرات خوفًا وطمعًا، إلى أن أصابت دعوة أحدهم، فلبست الإحرام أخيرًا؛ لبيّك اللهمّ حجًّا. عُدت من هذه الرحلة مليئًا بكلّ شيء، أحمل قلبًا غير الذي ذهبتُ به، لا تفارقني نظرات الرحمة والمحبّة، كنتُ محمّلًا بالقصص والذكريات، لم أستطع توثيق شيءٍ منها إلا اليوم؛ أشعرُ أنّ الحرمان علّمني؛ ربما كان لها أن تكون أكثر إخلاصًا ونقاءً لا يزاحمها إطلاقًا أيُّ رغبةٍ دنيويةٍ أخرى.. اللهمّ إنّا نسألك القبول يا ربّ. الثلاثاء – 28 يوليو 2020
النصوص العابرة
إنّه لا يبدأ الحديث بالسرد، إنّه يرمي تساؤلًا لا يبحث فيه عن إجابة، يحاول استفزاز من حوله للتفكير، فالتفكير العميق صنعةٌ تسبق العمل الجادّ، هذا ما أراده لنا د. محمّد السيّد أستاذ الإذاعة والتفزيون بقسم الإعلام في جامعة البحرين من خلال طرحه لسؤال كلاسيكي جعله مدخلًا لمحاضرة اليوم، قال فيه؛ لماذا لا يموت النصّ؟ وهذا التساؤل سرق منا أغلب وقت المحاضرة، كما جرّنا لنظريات نهاية عصر الصحافة والمطبوعات، وطغيان المحتوى المرئي والمسموع الذي بات يغني عن كلّ ما هو مقروء في صناعة الترفيه وبث المعرفة وتشكيل الوعي، ودخول عصر الانترنت الذي تغيّرت فيه المعادلات، وكلّ ذلك اشتقاقٌ من طبيعة التساؤل الرئيسي؛ لماذا لا يموت النصّ؟ إلى أن أجاب هو بتساؤل آخر؛ ما الذي يختلف بين النصّ مقروءًا أو مرئيًا أو مسموعًا؟ انطلق من هذه الفكرة قائلًا جملته الشهيرة التي حفظتها منه منذ ذلك اليوم؛ “النصّ المقروء يتعمّق في الفكرة، بينما النصّ المرئي أو المسموع يتعمّق في المشاعر”.. ومن هنا وضع الأساس لإجابة سؤال؛ لماذا لا يموت النصّ؟ إن فهمنا للطبيعة الوظيفية للنصّ تختلف باختلاف الوسيلة التي تحمل الرسالة، فالذي يكتب نصًّا في صحيفة أو كتاب يسعه أن يسرد الفكرة بوضوح، ويتوسّع في شرحها، ويوجد منطقًا لصحّتها، يدلّل بالأرقام، ويتكئ على النظريات، ويغوص في الفكرة عميقًا حتّى يفرغ كلّ ما في رأسه. في المقابل فإن العمل المرئي لو تم فيه سرد كل ما سبق بالطريقة نفسها، لملّ المشاهد من الثواني الأولى وانتقل لمشاهدة شيءٍ آخر، ذلك أن طبيعة الشاشة تختلف عن طبيعة النصّ المقروء، الشاشة تحبّ المشاعر والاسترسال فيها، تلهمها القصص المؤثرة والعواطف العميقة التي تكشفها الصورة نزولًا عند القاعدة السينمائية المعروفة: Show don’t tell . هذا التفاوت نستطيع تلمسّه في قراءاتنا ومشاهداتنا الخاصة، فألف سطر من كتاب يفتح آفاقًا فكرية لا حصر لها، لكنّه لا يستطيع إنزال دمعة واحد من عينيك، في المقابل فإنّ مشهدًا مرئيًا واحد يحرّك فيك الكثير مع استحالة أن يتوسّع في نقاش فكرة واحدة إلى أن يشبعها، وبذلك البيان يمكنك الآن البحث أكثر عن النصّ الذي لا يموت. الإثنين – 27 يوليو 2020
النصوص العابرة
تستفزّني العودة للوراء، ربما لأنّي أجد نفسي مدينًا لكثيرٍ من الماضي الذي حملني على كتفه وضمّني إلى حضنه، على الرغم من معرفتي المسبقة باستحالة عودته، أحبّه لأني أجد ذاتي التي نسيتها هناك بين كان يا ما كان، لا يعني ذلك أنّي تائهٌ الآن؛ أهرب من يومي التعيس إلى أمسي السعيد. لا تحكم عليّ، أرجوك؛ دعني أحاول ألّا أكون هذا الرجل. دعني أحاول ألّا أصنّف الماضي ظرفَ زمانٍ يعبّر عما فات وحسب، وألّا أكتفي بفهم معناه من معاجم اللغة العربية ومحرّكات البحث الإلكترونية، اترك لي محاولةَ تركه دون تعريفٍ نستند عليه لفهمه، ندعه مبعثرًا هكذا، يتطاير فتاته من حولنا، نترك العالم للعالم وننشغل بأنفسنا، نحاول الوقوف عند مركزه، نرتّب الفوضى في داخلنا، ونمدّ جسورنا الخاصة إلى أول الطريق؛ حيث البدايات. البدايات التي تحمل من المعاني أَنْفَسَها، تتفرّد بأضواء المرّة الأولى، وتحتار في تسمية نفسها؛ إنّها سرُّ الوجود، ولحظة الانطلاق، وأساس التجربة، ومقدّمة الحكاية، عُد بذاكرتك إلى بداياتك الأولى؛ أوّل يوم دراسي، أول تفوّقٍ أكاديمي، أوّل يوم وظيفي، أول راتبٍ شهري.. وانظر إلى تتابع الأحداث من بعدها، إنّها تأتي ثم يأتي كلُّ شيءٍ بعدها، لكن؛ عليك ألّا تعتمد في حياتك على ما يأتي فقط، بل اسعَ واصنع بداياتك الخاصة. أتّحدث هنا عن البدايات التي لا يشبهك فيها أحد، فجميعنا نمرُّ بمراحل عمرية تفرض علينا بدايات متشابهة نسبيًا، ولكنّ المفارفة تكمن في أن ينعطف بك الطريق رغمًا عنك؛ فتُكسر. وينحرف منحنى حياتك عن الغاية، فتضلّ. وتركلك الحياة يمنة ويسرة، فتيأس. ما بعد هذه اللحظات تكون البداية مختلفة، تعبّر عنها نوف بقولها؛ “يولد المرء من جديد في كلّ مرّةٍ يرى فيها الأمور بشكلٍ مختلف” هذه بداية تستحقّ الخلود. كلّنا معرّضون للكسر رغم تظاهرنا بالصلابة، والانحراف والتيه رغم وضوح الطريق، وأن تقسو علينا الحياة حتّى تأخذ منا أعزّ ما نملك، قلوبنا تخفق بشدّة، أرجلنا لا تقوى على حملنا.. نسقط، ننهار، نعود إلى نقطة الصفر، يتمكّن منا اليأس إلى أن يكتفي بحظّه منّا، عندها فقط؛ يتحوّل الضيق إلى سعة، ويغدو النهوض بعد السقوط بطولةً متفرّدة، مفعمةٌ بالأمل الصادق والإيمان بقوة التجاوز.. هذه التجارب؛ نورٌ على الدرب يهدي السالكين، إنّه سحر البدايات الجديدة. الثلاثاء – 21 يوليو 2020
النصوص العابرة
الحياة قصة مترامية الأطراف، لها أبعادٌ لا حصر لها، وأضدادٌ لا تفسير له: ظلامٌ ونور، قربٌ وبُعد، سطح وعمق، وبينهما كثير من القصص التي تحمل عشرات المسارات الفرعية، لكلّ مسارٍ أحداثه الخاصة التي شكّلت معالم الحقيقة الكبرى، ولكلّ قصة أبطالها. لو تأمّلت أكثر في قصّتك الخاصة تأمّلًّا دقيقًا لا تتجاوز فيه أنصاف المواقف، في خطوة لاسترجاع الشريط وإعادة مشاهدته بعينٍ ثالثة تنظر لحقيقة الأثر الذي تركه فيك أبطال هذه القصة، كم زرعت أحداثهم فيك شعورًا لم تستطع تحديد مصدره بدّقة، وعلّمتك كلماتهم ما نسبته -تجاوزًا- للحياة. بإمكانك أن ترى في كلّ شخصٍ يمرّ في حياتك الرسالة التي يحملها لك، لا أحدَ يضعه الله في طريقك عبثًا، إنّ هؤلاء يعبثون بقصّتك، دون أن يحمل هذا العبث انطباعًا سلبيًا، إنهم يأخذون قصتك في مسارات مختلفة باختلاف تأثيرهم، وقربهم، وسماحك لهم بأن يكونوا جزءًا منك. أنتَ تقتطع شيئًا من حياتك في سبيل الآخرين، لا تقلق؛ فهم يفعلون ذلك أيضًا، نحن نعيش الحياة بكلّ تشعباتها، ونخالط الناس بمختلف طبقاتهم، هل تظنّ ذلك يمر مرور الكرام؟ قد تكون بطلًا لا يُشقّ له غبارٌ في قصة أحدهم، وشيطانًا أخرسَ في قصة آخر دون أن تشعر، من يدري؟ مؤخرًا شاهدت فيلمًا وثائقيًا يؤرخ لحقبة عشر سنوات من نجومية مايكل جوردن ورفاقه، العجيب في الأمر أنّه تم استضافة أكثر من تسعين شخصية للحديث عن بطل الفيلم، هذا يعني أنّهم كلّهم جزءٌ من قصًته، والأكيد أن القائمة تطول، فابحث عن نجوم قصّتك الذين نسيتهم مع الأيام. كل ما عليك؛ أن تستشعر الخير فيمن حولك، وتتلمّسه في صنيعهم، تنسب الفضل إليهم، وتعترف بهم كجزءٍ في قصّتك الخاصة؛ الأسرة بامتدادها، الأصدقاء في العالمين الحقيقي والافتراضي، الزملاء، الأعداء، الكبار، الصغار، كلّ حدثٍ وكلّ من كان فيه، وقد قيل: “كن جميلًا ترَ الوجود جميلًا”. الثلاثاء – 14 يوليو 2020
النصوص العابرة
أستعدُّ لكتابة نصٍّ جديد، لا أجد له عنوانًا مناسبًا، أحاولُ اقتفاء أثر الكبار الذي يقولون؛ اتركه الآن، إنّه يأتي وحده كما تتدفّق الكلمات دون أن تحضّر لها في متتالية لا تفسير لها، ينتهي النصِّ دون أن تشعر عندما تترك الحرية لقلبك أن يعبّر عما بداخله. أذكر المرّة الأولى التي ربّت على كتفي معلمّ العربية بعد امتحان التعبير ثمّ مضى، المرّة التي أنقذني فيها صديقي من نشر نصٍّ عالج فيه سبعة عشر خطأً املائيًا ونحويًا، المرّة التي قال لي معلّم الثانوية: “لا تكتف بالقراءة في كتب المعرفة، عليك بالرواية إنها وقود الخيال والإبداع”. هذا الأمر قديم جدًا، يأخذني إلى الكتاب الأول الذي استعسرت قراءته وأنا طالب في الإعدادية، أنا مدينٌ للذي لم ييأس وأهداني كتابًا آخر بعد عامٍ واحد فقط عرفت فيه شيئًا من ملامح الطريق، الطريق الذي شاركني فيه كثيرون مرّوا، كان الصديق الأصدق يقاسمني فيه شطيرته بعد تذمّري من طعامي الخاص. أخي دفعني من حافّة الهندسة لأسقط في هاوية الإعلام، في مكان غير مألوف، وأصدقاء لا أعرف فيهم أحدًا، ضللت الطريق إلى أن مسك بيدي أحمد وأخذني للعرّاب، العرّاب آمن بي أكثر من إيماني بنفسي، لا أنسى جملة “نادر فعلًا نادر” في أول نصٍ تلفزيوني، ولا كلمة: “نوح، لازم تستمر في السيناريو” بعد أوّل نصٍّ إذاعي. قضيتُ لياليَ طويلةً في حضرته، نتسامر الحديث إلى مطلع الفجر، ثم نلتقي في الجامعة ظهر اليوم التالي، أحدهم دفعني لمنصة العريف مرّات عديدة، وآخر خدعني لكتابة الشعر الليل كلّه في مجلس منزله، وأذكر أنّي مرّة سردت روايةً أدبية كاملةً في مكالمة هاتفية كان صاحبها يمثّل الإنصات في أكثر أوجهه مثاليةً. يبدو أنّي مدينٌ لكلّ هذه الذكريات، ممتنُّ لأصحابها في عالمنا الحقيقي والافتراضي، ولقلبي الذي لم ينسها، وآثر الاحتفاظ بها، والوفاء لصنّاعها، إنّها أكثر من ذلك بكثير، كلُّ الذين يمرون، يضعون بصمتهم الخاصة، عزائي في ذلك دعوة صادقة أقول فيها: ربّ لا تؤاخذني إن نسيتُ معروفًا لمّ أُوَفِّ به، ولا تؤاخذني إن أخطأت في حقّ أهله ولم أردّ جميلهم. الثلاثاء – 7 يوليو 2020