حكايا من الحاوية
25/08/2020
دقيقة قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
على غير العادة؛ عدتُ من السوق مُترفًا هذا اليوم، أحملُ الأكياس بكلتا يديّ، مرّتْ بطاقتي فوق آلة الدفع، وسمعتُ صوتها المشهور مرّاتٍ عديدة، ساقني شيءٌ ما للوقوف عند باب المنزل بطريقةٍ عكسية تكون فيه واجهة سيارتي مطلّةً على حاوية القمامة -مع المعذرة- التي تم ركنها عند سور مدرستي الثانوية القريبة. وأنا أصفُّ السيارة في موقفها، فإذا بكائنٍ حيٍّ تبدو عليه آثار الأيّام الصعبّة، يرفع رأسه من داخل الحاوية يخرج علبة كارتون صغيرة، ثمّ يسطّحها بكسر أطرافها، وعربته مركونةً بالقرب منه تحمل عددًا لا بأس به من الشيء نفسه يبيعه بثمنٍ بخسٍ يغطي به تكاليف التعلّق بخطّ الموت جوعًا، ومن خلفة مدرسة تخرّج منها آلاف الطلبة حاملين شهادتهم الثانوية التي شقّوا بها طريقهم نحو الحياة. كان لي مع نفس الحاوية ذكرى قديمة؛ غلبني فيها الكبرياء؛ كان قد بقي أسبوع واحدٌ فقط على تسليم المشاريع النهائية، كان العامل ينظّف سيارتي الخاصة، وأخذ منها (الهاردسك) الذي أحفظ فيه كلّ أعمالي الجامعية ورماه -دون قصدٍ- في كيس صغير، ثمّ إلى القمامة مباشرةً، أذكر أنّي في تصرّف متسرّع لا أجرؤ على تكراره؛ أخذته من تلابيبه دون رحمة، وأمرته بدخول الحاوية لانتشاله منها، وقد فعل منقذًا مستقبلي بعد أن دفعت الكثير لإصلاح القرص الصلب واستعادة الملفات من داخله. كنتُ أتأمّلُ هاتين اللوحتين، في محاولة للبحث عن المعنى وراء كلّ عملية إنقاذ؛ في المرّة الأولى كنتُ أحاول إنقاذ الماضي الذي تمثّله ملفاتي القديمة والأعمال التي بذلت فيها الكثير، كما أنّها محاولة لإنقاذ المستقبل الذي لو لم أجد الملفات، لكان نصيبي الرسوب والتأخر فصلًا واحدًا فقط، في المقابل فإن بحث هذا الرجل في فضلاتنا عن لقمة عيشه هو إنقاذ لحاضره المتهالك، هو عملية انتشال نفسه من الحياة، وشتّان بين المترفين والمعدمين. هذا يقودنا إلى السموّ في تقدير المواقف، وإسقاط المعاني بناءً على الأسقف التي يستطيع الناس إدراكها، فالبطولة الشخصية قد تكمن في البحث عن كسرة خبزٍ تسدّ بها جوعك، وليست شرطًا أن تقتصر على اعتلاء للمنصّات والتبسّم للكاميرات والاعتداد بالأرقام، وكم أوردتنا المقارنات كثيرًا من المهالك، الآن فقط بتُّ أفهم الجاحظ أكثر عندما قال: “المعاني ملقاة على قارعة الطريق” الثلاثاء – 25 أغسطس 2020