المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
28/07/2020
دقيقة قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
بعد عام كاملٍ ظلّ محبوسًا بداخلي، نصٌّ كان عصيًّا على رؤية النور، لا يُراد له أن يُكتبَ لحكمةٍ أجهلها، كنتُ غاصًّا به، متلَهّفًا للتخلّص منه، يدفعني الجميع إليه دفعًا، أغالبه ولا أقوى عليه، حاولتُ كتابته خمس مرّاتٍ دون جدوى، كان قلبي يخذلني في كلّ مرّة، وما أقسى فعلته هذه. دعوني أخبركم القصة؛ أكرمني الله العام الماضي بحجّة الإسلام للمرّة الأولى في حياتي، رحلة العمر التي يعود فيها المرء كما ولدته أمّه، أبيضَ القلب ناصعًا، مغفورًا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، عقدتُ العزم حينها أن أزاحمَ الفريضة وخدمة الحجيج بالاستعداد لتوثيق هذه الرحلة في خواطر مكتوبة. صاحبتُ في الطائرة العمّ بويوسف -مدّ الله في عمره- الذي يعيش عقده السابع بهمّة ونشاط، يزيّنهما بروح الشباب وكثيرٍ من التجارب، كنتُ ابنًا له أحاول البرّ والتعلّم على يده التي تشهد بعمله وسعيه لخدمة ضيوف الرحمن أعوامًا عديدة، كان يمتلئ إيمانًا، وأملًا، وعملًا، وقصصًا. إنّ القلوب هناك تهفو إلى ربّها، يتنافس أهل الله في الارتقاء بأنفسهم مراتب الصدّيقين، تفيض المعاني من وجوهٍ مِلؤها النور، يتسابق الناس في خدمة بعضهم البعض؛ كنتُ أجرّ عربة الشيخ، أهمس في أذنه؛ سألتك الدعاء، فيرمي جمرةً ثم يسأل الله لك الخير، وآخر تُبْكيه فاتحة الكتاب بعدما تمكنّت معانيها من لمّ شتاته، وعابر سبيلٍ يرويك بدعوة تنسيك مشقّة المشاعر. هذه مكافآت تُوزّع بالمجّان، تستشعر دعوة حاجٍّ بادلك المعروف بما هو خيرٌ من ذلك، تتلمّسُ البركة والتوفيق في كلّ خطوة، إلى أن تسمو روحك بدعوات الشيوخ والعجائز الذين أكرمك الله بخدمتهم، كنتُ أحملُ راية ترشد الأفواج الطريق؛ وأسأل نفسي حينها كيف لتائهٍ أن يُكرَمَ بحمل راية؟ كنت أخجل عندما يحملها عنّي العمّ بويوسف. كنتُ أستجمع نفسي في كلّ مشهد؛ منى، مزدلفة، الجمرات، يوم التروية، والوقوف بعرفة الذي كان يومًا مهيبًا، كلُّ الرجال يزيّنهم البياض، وأنا من بينهم أرتدي قميص “بولو” مبلّلًا إلى آخر النهار، بعدما أكرمنا الله بسحابة رحمةٍ تحمل مطرًا شديدًا، سالت معه العبرات خوفًا وطمعًا، إلى أن أصابت دعوة أحدهم، فلبست الإحرام أخيرًا؛ لبيّك اللهمّ حجًّا. عُدت من هذه الرحلة مليئًا بكلّ شيء، أحمل قلبًا غير الذي ذهبتُ به، لا تفارقني نظرات الرحمة والمحبّة، كنتُ محمّلًا بالقصص والذكريات، لم أستطع توثيق شيءٍ منها إلا اليوم؛ أشعرُ أنّ الحرمان علّمني؛ ربما كان لها أن تكون أكثر إخلاصًا ونقاءً لا يزاحمها إطلاقًا أيُّ رغبةٍ دنيويةٍ أخرى.. اللهمّ إنّا نسألك القبول يا ربّ. الثلاثاء – 28 يوليو 2020