لا أحب تصنيف ما أكتبه في خانة الخواطر، أنقذتني أمل السهلاوي عندما ابتكرت ما تسمّيه: أدب الكتابات العابرة.
16/02/2020
دقيقة قراءة
7 مشاهدة
16/02/2020
دقيقة قراءة
7 مشاهدة
النصوص العابرة
في عتمةٍ من نهار كنتُ أظنّه قريبًا، وأراه بعيدًا، غيمه انعكاسٌ لبقعِ الماء في قاعِ الأراضي الممتدّة كنتُ أتحسّس الجمادات من حولي، الكائنات -الأموات منهم قبل الأحياء- كنتُ ألمس كلّ شيء يمرُّ بي، في محاولةٍ لأتعرّف وأعيد اكتشاف الأشياء، كنت لا أنجح، وهذا مؤلم.. مؤلمٌ جدًا، لمن اعتاد الوقوف في أعلى السلّم، لمن أحبّته المنصّات، وصارت تأتيه من كلّ فجٍ عميق، ولا يرفضها.. لأن الحبّ من طرفٍ واحدٍ جريمة يرتكبها المحبُّ في حقّ نفسه دون أن يشعر.. وأن (لا يشعر) الإنسان في حقيقتها جريمةٌ أكبر! ولا عجب أن يستنكر الواحد منا جرائم الآخرين ويغفل عن المصائب التي يرتكبها هو، فالعين تعشق النظر في الأفق البعيد! كنتُ مثلَ طفلٍ تعاتبه أمّه على لمس كوب شاي ساخنٍ خشية أن تحترق أصابعه الصغيرة، ثم ترفع هي الكوب وتشربه ساخنًا ولا يحترق لسانها.. كلّما أدركته، أنّ الحياة هي أمّي، وأنا كوبٌ ساخنٌ جدًا! فبراير 2020
14/01/2020
دقيقة قراءة
7 مشاهدة
14/01/2020
دقيقة قراءة
7 مشاهدة
08/01/2020
4 دقائق قراءة
5 مشاهدة
08/01/2020
4 دقائق قراءة
5 مشاهدة
20/12/2019
دقيقتان قراءة
5 مشاهدة
20/12/2019
دقيقتان قراءة
5 مشاهدة
26/10/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
26/10/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
12/09/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
12/09/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
07/09/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
07/09/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
26/06/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
26/06/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
12/06/2019
دقيقتان قراءة
4 مشاهدة
12/06/2019
دقيقتان قراءة
03/06/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
03/06/2019
دقيقة قراءة
3 مشاهدة
النصوص العابرة
يقضي الإنسان كثيرًا من عمره دائنًا ومدينًا، نحن ممتنون للذين يوجدهم الله في طريقنا، فنجد أنفسنا من بعدهم ليس كما كنّا أبدًا، كامتنان يوسف للسيّارة الذين باعوه بثمن بخسٍ دراهم معدودة، رحمة الله وحكمته التي تؤمن بها القلوب المطمئنة. نحن ممتنون للأيام الصعبة التي تصطفي منّا أفضل ما فينا بعد ما تقوم باللازم في تنقيتنا من الداخل، كامتنان يونس في مصيبة الحوت، وقوم موسى في التيه الذي دام أربعين سنة. نحن ممتنون للابتلاءات التي تضعنا على مفترق الطرق، التي تعلّمنا التمييز بين الخيارات واتخاذ القرار وتحمّل نتائجه، كامتنان إبراهيم للحظة الحقيقة التي اُمر فيها بنحر ابنه إسماعيل. نحن ممتنون للنِعَمِ تُساق إلينا دون سعيٍ يُذكر ولا مشقة وعناء، كامتنان الجنين لرحم الأم، والرضيع لصدرها، والطفل لحضنها، والصغير لحرصها، الكبير لكلّها. نحن ممتنون لمن حولنا، للأصدقاء الذين تدور أحداث حياتنا حولهم، الذين نكتب معهم القصص ونعيش معهم التجربة، كامتنان النبي محمد -ص- بأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وابن عوفٍ وحسّان وطلحة والزبير وبقيّة الصحب الكرام، الذين كانوا لنبيّهم إخوةً محبّينًا ودرعًا حصينًا. الثلاثاء – 14 يناير 2020
النصوص العابرة
من هنا أحيّيكم متوجّهًا للحدود السورية أجرّب الخير بقلبي ويدي خالصًا دون أحكام مسبقة، أحمل في داخلي كثيرًا من المشاعر، ممتلئٌ بالقصص، غاصٌّ بالكلام، غارقٌ في معانيه، هنا حيث الإنسان -لاجئٌ- يتكلّم بلا أقنعة الرفاهية والتنعّم، هنا في تغريدات، أروي لكم قصصًا عالقة، وحكايا لا تنتهي. هنا أسرة تعيش في أمتارٍ من حظيرة حيوان، يقاسمهم المعيشة جلود الماشية، يفوح النتن في أرجاء المكان، طريقه مظلمٌ حالك. في رحلة بحرية ترفيهية، أخذتهم موجة عاتية، غرقت ابنتان، همّ الأب بإنقاذهم حتى غرق معهم، عندما سألنا أصغر الأبناء وهو ابن الثالثة عن مكان أبيه، قال: هو في الجنة. هذا العام فقط، أستشعر معنى المشاركة واقعًا، منذ دخلتُ هذه الغرفة المتواضعة التي يسمّونها منزلًا، كان عبدالله ينظرّ إليّ بعينٍ لامعة، خيّرناه بين معطفين، فاختار الأحمر رغمًا عن صغر مقاسه، قيل له اقرأ ما كُتب، فقال: “ما باعرف اقرا” عبدالله لا يمتلك حتى الرسوم الرمزية لباص المدرسة. “كنتُ تاجرًا كبيرًا في بلدي، اضطرتني الظروف للعيش في هذا الدبّاغ مع زوجتي وأبنائي، اللحم لم يدخل منزلي منذ سنة كاملة، ابني خميس يحلم في اقتناء دراجة هوائية فقط، أشعر بالعجز في كل مرة، يبكي الأطفال معي كل ما بدا عليّ القهر” أبوغفران وهو يروي قصته أمام أسرته باكيًا عاجزًا.. صابرًا. في يوم ماطرٍ بارد، وجدناه في طريق البحر، يختبئ بكرسيه وحيدًا تحت خيمة متهالكة، ما إن اقتربت منه حتى همّ بالحديث، أُصيب بشللٍ في حادث عمل فقد فيه الشعور بأطراف رجله، إنّه يزحف للشارع حتى يجد من ينقله لشراء طعامه بمال لا يعرف كيف يُساق إليه، لم يبح بكلمة أشدّ وقعًا من: “أنا عاجز.” هنا بارقةُ أمل، دِفْءُ محبة، رعشة وفاء، هنا الوجوه تتكلم بكلّ ما تخفيه من براءة وألم، ثنائيات يصعب فهمها، هنا الابتسامة تقتل الحزن، الطفل يتفنّن في صُنْعِ الفرح رغمًا عن قسوة الحياة وسطوة التشريد ومرارة اللجوء. كان يحدثني وعكّازه يرجف في يده، في ابتسامته حزنٌ لا يستطيع إخفاءه، في قلبه إيمانٌ تسمع دقّاته، البرد هنا قاسٍ قبل أن يكون قارسًا، تعاني زوجته من العمى وهو من المرض، يتشاركان الدواء، ظلّت كلمته التي كان يردّدها بين الفينة والأخرى عالقةً فيّ، أسمعها بصوته الرخيم: “ظَلّوا بخير”. فاصلٌ غنائي من قلبِ المعاناة مع صديقتي اليتيمة الجميلة بَيْلَسان التي تحبّ أن نسمّيها: بيسو أبو حمزة، الرجل الذي لم أفهم كثيرًا مما قال، كانت تجاعيده أبلغ من شكواه، في صوته غصّة ألم، وضعت يده على كتفه حتى أسمعه، فاقترب يحكي معاناته؛ “كلّ شيءٍ صعبٌ هنا، العمر يمضي بنا، ولا شيء يحدث غير ذلك، رضينا بحكمة الله وقدره” لكنّ النور يشقّ طريقه في وسط الظلمات، هذا إيمان وأمل. فقد بصره تمامًا، محمود استقبلني لأسمع منه قصّته، كان يخبرني أنّه نسي كلّ شيء، سألته: ما أمنيتك يا محمود؟ قال: “أمنيتي أن يعود لي البصر لساعة واحدة فقط كي أرى فيها وجه ابنتي الصغيرة آلاء”. يتناوب الأبناء على قيادة أبيهم الكفيف، وكان الدور عند التقاط هذه الصورة على الجميلة آلاء. إبراهيم، يبلغ من العمر ٣٠ عامًا، ما إن حطّت رحالنا عنده حتى استقبلنا بعناق دافئ، كلّه حبٌّ وترحيب وجمال، يعاني من إعاقة ذهنية ومشاكل في النمو، أخذ الله منه الكلام والتعبير الشفهي، وأعطاه شعورًا وحسًّا فريدًا، يجبرك على التبسّم بابتسامته التي لا تفارق محيّاه. هذا الرجل الذي أبيت إلّا أن آخذ معه صورة بعدما سألته ما الذي تحب أن تقوله؛ “قال والله إنّا نحبكم، وابتسامتكم تعني لنا الكثير” وكأن عمره الذي حمل همّ الجبال يزينه قلبٌ يحب الحياة، كان باشًّا يضحك بأعلى صوته صارخًا في وجه البؤس والتعاسة وقسوة الحال. فارس، كان آخر رجل سمعت قصته، دخلت خيمته في يوم معتدل الحرارة، يخبرني أن الله أكرمهم اليوم بطلوع الشمس بعد أيام من الصقيع، لا تسمع من صوته إلا بحّة، بفعل ورم في منطقة جريان الصوت، إنه يستنشق دخان البلاستيك -شديد الضرر-الذي يشعله مضطرًا للحصول على تدفئة تقيه وأسرته من البرد القاتل. الأربعاء – 8 يناير 2020
النصوص العابرة
أنا سعيدٌ هذا اليوم، مثل سعادتي باليوم الذي حصد فيه أبناء جيلي قبل عامين كأس التميز والعيد الوطني، هذه فرحة يستشعرها الذي يعيش تفاصيلها، هناك من لا ينام جيدًا ويصل الليل بالنهار كي يُقدّم شيئًا، مع مرور السنوات تبقى الآداب على عهدها الأول، بتُّ موقنًا أنّ التميّز والبطولة تحبّ الآداب، لا شيء ينافس حبّي للآداب داخل الجامعة إلّا حبّي للدكتور محمد السيّد، هذه حقيقة.. الآداب كيانٌ تتركه ولا ويتركك، هذا كيان يحبّنا ونحبّه، شكرًا لحملة الراية، صنّاع الحكاية، لمن يجدّد في كلّ مرة.. ينجح وينتصر على نفسه في كلّ مرة، كلّ مرة. ٢٠ ديسمبر ٢٠١٩
النصوص العابرة
إلى نوح، صديق النصّ.. هذا مولودٌ آخر بين يديك، تقلّبه قبل غيرك، تفتّش فيه عن مكمن الخلل كما تحبّ أن تفعل دائمًا.. ليس حبًّا في الخطأ بقدر حبِّك للكمال، وأنا أحبّك لهذا السبب. هل تذكر تلك الليلة الطويلة جدًا التي قضيناها معًا؟ كنتَ تضع الأعذار واحدًا تلو الآخر كلّما أخبرتك عن موعد إصدارك الأول؟ وكنتُ أنا أركلها بعيدًا.. كنّا نفلسفُ الأشياء حتّى نبرّر خطايانا.. ذنبك أنّك تخاف رهبة التأليف، وذنبي أنّي أستعجله ولا أخشاه. كانت الأحاديث تقودنا إلى طريق واحد، عند بريد الرسالة الأولى التي أفتتح بها مؤلفي الجديد، أنبش في التاريخ بجرأة، وأتقمّص الأشخاص والأشياء بحذر، فلا أحمل وزر أحد ولا أخرج عن سياق خطابه، وقد فعلتُ ذلك فعلًا بعد توفيق الربّ تعالى. أذكر كم كنت مسرورًا عندما كان المؤلف مجرّد فكرة نصوصها لا تعدو حروف تغريدة واحدة في تويتر بشكله القديم، وأذكر كم آلمك سؤالي الذي دوّنته في مقدمة الكتاب: أيهما أشدُّ ألمًا: الندم على ما قيل؟ أم الندم على ما لم يقل؟ صديقي، هذا الكتاب رسالتي لك التي لم أقلها، وهذا النص خطابي الذي قلته لك مرارًا بين سطور كثيرٍ من أحاديثنا، وكم بدا واضحًا في لمعة عيني في كلّ مرّةً أقابلك: ابدأ الآن. طارق قلبك.. الطارق! السبت – 26 أكتوبر 2019
النصوص العابرة
يا إبراهيم.. العمر يمضي سريعًا كان اللقاء الأول قديمًا في 2005م، كنت لا أعرفه، تجمعني به المدرسة، كان في صفٍّ آخر، أسماؤنا تحملها الريح، نشترك في حبّ الرياضة وشيءٍ من التميّز الدراسي، إلى أن ضلّ أحدنا الطريق.. لكنّه عاد إلى سابق عهده بعد سنين. كان يقاسمني كلّ شيء، أذكر مرّةً في أحد الرحلات أنّ الوجبة المتوفرة لم ترق لي حينها، فأخرج شطيرته وقال: كُل معي، كان انتقائيًا حتّى في وجباته، دخلت منزله مرارًا، كان يلاعب الكرة في فناء بيتهم الصغير، كنت أشاركه. كبارًا.. شاركته السفر بعدما خذلته في اليوم الأول. قبل سنوات، في مباراة وديّة تعرّض لإصابة في رأسه جعلته يفقد الذاكرة تمامًا، لم يخبر أحدًا وواصل اللعب.. إلى أن أتاني في طرف الملعب مناديًا: نوحو ما تذكر ولا شي.. طرت به إلى المشفى قبل أن لا يبقى في ذاكرته حتى اسمي هذا. لحظاتٌ من الفرح والحزن شاركني إيّاها، كان يستشعر الفرح والحزن من عينيّ، علاقتي به غريبة، لم أشعر مرّةً واحدة ببُعده، ظلّ صادقًا في العلاقة أعوامٍ كثيرة مرّت بها اللحظات كلمح البصر. بعد اتصاله يخبرني بنيّة زواجه.. أدركت أخيرًا، أن العمر يمضي سريعًا.. حياةً سعيدة أيّها الصديق. الخميس – 12 سبتمبر 2019
النصوص العابرة
كنت عند عتبة بابه، بعد يوم طويل قضيت أغلبه مستمعًا، كنت كلّما ركد ماء الحديث ألقيت فيه فكرة، إلى أن سألته دون سابق إنذار عن سرّ تمكنّه من اللغة اليابانية، فأجابني: “إن كلّ الحكاية تكمن في المدخلات والمخرجات”. لم أفهمه بدايةً، ومجددًا، لم أسمح للماء أن يركد، فاستوضحته إلى أن استوعبت قصده الذي أنار لي الطريق في فهم الحالة الإنسانية وتعاطيها مع فكرة الإنجاز في وصفه “كل الحكاية”. نعم، إن كلّ الحكاية تكمن في ما تتعرض له من أفكار ومشاعر وطاقة وتسمح له أن يمرّ خلالك، فيختلط بما في داخلك، فيمتلئ إناؤك إلى أن ينضح بعدما تتم معالجته، فتعيد طرح كلّ ذلك إلى الخارج بطريقتك الخاصة. هذا ما مكّن مدمنًا للكتب كالطنطاوي من تأليف عشرات الكتب وتدوين مئات المقالات بعد قضاءه معدل عشر ساعات يوميًا في القراءة والمطالعة “فالكتابة كفارة القراءة” كما تقول نور. وقوله: “اليوم يموت العقّاد” صرّح بها عبّاس صاحب العبقريات بعد عجزه عن القراءة والكتابة. وكم هو سهلٌ أن تكتشف الكاتب القارئ من الكاتب الفارغ. كنت أسأل فنانًا عن الخلطة السحرية التي جعلت منه فنانًا في أغلب إنتاجه، كانت إجابته قصيرة: “تدرّب كل يوم” أظنّها بليغة بما يكفي. تصنِّفُ كرة السلة الأمريكية اللاعب مايكل جوردن كأكثر المحترفين جديّةً في التمرين الشاق، كان يسبق الآخرين إلى صالة التدريب ويصوّب مئات الكرات، هذا الخفاء جعله أسطورةً في الأضواء. لن تحقق شيئًا يذكر دون أن تبذل وقتًا في تعلمه وممارسته، والتميز حصاد مشترك بين العمل الجاد والذكي، وقد انتشر عن أحد الرسامين اعتراض أحد الزبائن على لوحاته غالية الثمن التي ينفذها في دقائق قوله: “هذا الرسم استغرق مني خمس دقائق، لكنني جاهدت ستون عاما لأتمكن من عمله”. في زمن كثرت فيه دعاوى الاهتمام بالنفس على حساب الآخرين والانشغال بالمتعة إلى حد الجنون، تأتي فكرة الاسثمار في الذات -وأقول الاستثمار وليس الاهتمام- كطوق نجاة ينتشل الأفراد من مستنقع العاديّة إلى مراتب النجاح الحقيقي. إن عدد الساعات التي تبذلها في الخفاء هي التي تحدّد قيمتك للعلن تحت الأضواء، كم صفحة تقرأ لتكتب سطرًا واحدًا، وكم ساعة تتمرّن لتُتوّج بطلًا، وقس على ذلك. إنّ في كلّ مهارة مدخلات أنت بحاجةٍ لها لتكون مخرجاتك مميزة يقف العالم احترامًا لها، هذه وصفة لا مفرّ منها، وكم من عملٍ دؤوب هزم موهبةً خاملة. السبت – 7 سبتمبر 2019
النصوص العابرة
كنتُ مقصّرًا في حقّهم، أعترف بذلك. يأخذني القدر إلى مقهىً شعبيٍّ في وسط المحرّق يجتمع فيه الجيل الأول من الأجداد. يصلُ رجلٌ أربعيني بدا لهم مألوفًا، عرفت ذلك عندما سأله عجوزٌ -كانوا ينادونه بومحمد- عن سرّ غيابه الطويل؛ فتعذّر بانشغالاته وضيق وقته وأشياء أخرى لا أذكرها، كلّ ما أذكره هو ردّ بومحمد: “والله عيارتك.. لا مشاغل ولا شي، إلا الكسل ذابحكم”. شعرت لوهلةٍ أنّ هذا الرجل الغريب يؤنبني أنا، ويلقي اللوم على تقصيري بالعذر نفسه: الانشغال بالعمل؛ ولكنّه آثر أن يسمّي الأشياء بمسمياتها. في حقيقة الأمر، فإن الذي حدث بدأ به عقلي يشاغبني باحثًا عن سرّ الغرباء.. من هم؟ وماذا يحملون لنا من رسائل؟ ومن الذي بعثهم في الوقت المناسب دون سابق إنذار؟ والأهم من كلّ ذلك: كيف لنا أن نلتفت لهم ونقتنص الفرص التي تهدينا إياها الحياة عن طريقهم؟ مع هذه التساؤلات فقط.. تبدأ الحكاية. كان مميّزًا، من أولئك الذين لا يعترفون بتقديم اختبار جيّدٍ. وكان متعلّقًا بأمّه وأبيه، تخرج ولم يُوَظّف، ساقه الضياع للهروب ببدنه خارج الديار، في القطار.. يبادله طفلٌ الابتسامة، يدور حديثٌ مع أمّ الطفل، يأخذ الحديث مجراه إلى كثير من تفاصيل الغربة التي اختارها، كان يريد أن يسمع جملة واحدة، وسمعها: “إذا كنت مرتاحًا في بلدك.. لا تفكّر بالغربة أبدًا”. مع الرحلة العائدة الأولى عاد إلى حضن أمه ولم يهجره أبدًا. مثل هذا الضياع كان يلطم بموجه عليها يمنة ويسرة، ترسل متطلبات التوظيف إلى سبع مؤسسات، أتاها الردّ أخيرًا، تبدو متردّدة، خائفة، مرتبكة، حالمةٌ تفكّر في مستقبل مجهول، وتخشى الفشل في الاختبار الأول وهو المقابلة؛ لكنّها كانت تحمل في عينيها بريق الأمل والحلم.. تحدثت عن نفسها في ثلاث دقائق، فقطع حديثها: “أعرف الضياع الذي أنت به الآن، ولكنّي أرى فيك ما سيجعلك “شيئًا” في هذا العالم.. ثقي تمامًا بذلك” كم تترك الكلمات فينا أثرًا إن كانت صادقة في وقتها. أثناء رحلة إغاثية حمل همّ الدنيا فوق رأسه لسببٍ تافه، شغل تفكيره وعكّر مزاجه، يخبرني وهم في إحدى الصحاري الأفريقية مرّت بهم امرأة عجوز قست عليها الأيام حتى احدودب ظهرها الذي تحمل عليه ثلاث سلالٍ من الموز، كانت ابتسامتها جميلة، غريبة إلى الحد الذي تتحدث فيه وتنطق، نعم؛ كانت ابتسامتها تعلّمه بساطة الحياة التي لا تستحق عناءً، وكيف لنا أن نرى في دقائق الأمور السعادة بدلًا من أن يعكّر صفو يومنا نوم صاحبنا عن برنامج الصباح. في المقابل، كانت أخرى تربط خيط حذائها في أحد المطارات وينفك مرارًا، إلى أن استسلمت للحقيقة التي قالها أحدّ المارّة: “اتركيه وشأنه.. فلا يختلف خيط الحذاء عن خيط الحياة، إنّه يزداد تعقيدًا كلّما حاولنا تجميعه، إنّ العقدة جزءٌ من طبيعة كلّ شيء”. تقوم الحياة بدورها في رمي الرسائل رميًا، فمن ينتبه؟ ومن يقتنص؟ ومن يستطيع أن يدرك ذلك ويسقطه على نفسه؟ أحبّ الذي يجد في أنصاف الفرص رسالةً له.. وكثيرٌ من عابري السبيل هم لطف الله الخفيّ، يمرّ علينا ثمّ يمضي، دورنا ألّا نجعله يمضي وحسب، فكم علمنا الغرباء ما لم يعلمنا الأصحاب. يونيو 2019
4 مشاهدة
النصوص العابرة
قرأت نصًّا مختلفًا، فيه كثيرٌ من الفلسفة، لم يكن نصًّا فحسب، كان وحشًا، يعرّفني على بقيّة الوحوش من حوله، أول ما بدأ به وحشي الصغير الذي اشتقت له كثيرًا قبل أن يكبر، كان بارًّا مُحبًّا يقودني للصوّاب لا إلى التهلكة، فيما “تستيقظ وحوش الكبار عندما يخطئون”. خطّت جمانة في يومٍ واحد فقط رواية جميلة، بمعاني رمزية حزينة؛ لكنّها صادقة، كانت تروي الحقيقة، الحقيقة الصعبة التي نخشى التطرق لها في أحاديثنا عابرة، كان “وحشًا” جريء العبارة، صوتًا لمن قست عليهم الحياة وجرّوا الألم جرًّا؛ بأيّ ذنبٍ حدث كلّ هذا؟ جمانة بهذا النصّ تقف في صفّ الإنسان في مواجهة الوحش، مع وعيها الكامل أنّها تركيبتنا المعقّدة، فالوحش والإنسان كائن واحد! عتبي على جمانة بسيط: أنّها لا تكتب، يبدو أن للوحش الكبير دورًا في هذا! الأربعاء – 12 يونيو 2019
النصوص العابرة
أتذكّر اليوم الأول الذي لم نتوافق فيه، مادة اللغة الإنجليزية، الآداب ولحظاتها الجميلة، الشقة التي كانت ملاذًا يجمعنا.. كانت مفتوحةً على مصراعيها، يصرُّ إصرارًا غريبًا أن نكون بالقرب.. صديقي السعودي دحومي، راعي الشقّة، كنا نتبادل كثيرًا من الأحاديث في الجدّ والهزل في كلّ مكان، كأسٌ من الكرك بإمكانه أن يجعل الليل معه طويلًا، صدّقوني.. هذا رجلٌ مليءٌ بالأسرار، سألته مرّة: دحوم، شكثر تشتاق لأمك لين اتيي البحرين؟ جاوبني بسطرين: ماقدر أوصف، شعور نقص. كان هذا بعد أن غرّد: أعاني من الحنين إلى الوطن! وكم أخشى عليك أن تعاني حنينًا إلى الشقة وأهلها.. كانت أربعة أعوامٍ جميلة يا صديقي الإثنين – 3 يونيو 2019