مظاليم
09/09/2020
دقيقة قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
أذكر أنّي في زحمة التقارير التلفزيونية التي تكلّفنا بها الجامعة كنتُ أقضي وقتًا طويلًا في تحرّي العناوين التي أرى فيها استثمارًا جيّدًا في رواية القصة، حتّى أنّ هذا الأمر يجعلني مضطرًا للعمل على مشاريعي النهائية وتسليمها في اللحظات الأخيرة، شأني في ذلك شأن كثيرٍ من الطلاب. كنتُ حينها مؤمنًا بالتميّز وصناعة الفارق، فاتحًا ذراعيّ للشغف أضمُّهُ بين جنبيّ، كانت قصص النجاح هي موضوعنا الذي نبحث عن نماذجه، ووسائل التواصل الاجتماعي ملاذنا الأول والأخير، بعد أن صارت فكرة النجاح مرتبطةً بوجودنا في هذه المنصّات؛ الأرقام، التفاعل، الإعجابات، الحضور، البريق، كلها مؤشرات للتقييم، كما أنّها سهلةٌ في البحث. في تلك السنوات كان يحدّثني صديقٌ عن فكرة مشابهة تمامًا، عندما قلّ حضوره معنا، هنا حيث نستهلك الوقت في التجوّل بين التغريدات، والنظر في الصور والتعليقات، والثرثرة مع من نسمّيهم أصدقاء افتراضيين، كان صديقي هذا يُلام بعدم وجوده في الحياة؛ كان يقول بأسف: “عدم مشاركتي هنا في هذا العالم الافتراضي، لا يعني أنّي لا أُنجزُ شيئًا في العالم الواقعي”. عطفًا على ما بدأتُ به، أخذتُ على نفسي عهدًا ألّا أسلك الطريق السهل في البحث، وأن أنغمس وسط الناس أحاول اقتناص من يستحقُّ أن يُشاع اسمه ويُذاع صيته وتتداوله الألسن، فكم كنت ولا زلت مؤمنًا بالمظاليم الذين تحتضنهم الحواري ولا تلتفت إليهم العدسات، أولئك الذي يمتلئون قصصًا ويفيضون حكمةً، تتحدّث تجاعيدهم عمّا ألفوه من قسوة الحياة، ولا تكذب رعشة عيونهم أبدًا. وكم هو حريٌ بأهل الصنعة أن يسلكوا هذا المسلك في تفعيل الباحث الجادّ عن القصص، وأن تلتفت عدساتهم للذين لم يلتفت إليهم أحد، ولا ينجرفوا وراء تيّار الأرقام، من الذين تشبّعت المنصّات بحضورهم، وأن ينشغل الإعلام الجادّ بصناعة النجوم الحقيقيين، ومدّهم بفرصة الظهور على الشاشة التي لم تفقد بريقها بالكامل، ورواية القصّة التي لم نسمع بها يومًا، تلك التي تستحقّ أن يُشار لها بالبنان.