علمني الغرباء
26/06/2019
دقيقة قراءة
4 مشاهدة
النصوص العابرة
كنتُ مقصّرًا في حقّهم، أعترف بذلك. يأخذني القدر إلى مقهىً شعبيٍّ في وسط المحرّق يجتمع فيه الجيل الأول من الأجداد. يصلُ رجلٌ أربعيني بدا لهم مألوفًا، عرفت ذلك عندما سأله عجوزٌ -كانوا ينادونه بومحمد- عن سرّ غيابه الطويل؛ فتعذّر بانشغالاته وضيق وقته وأشياء أخرى لا أذكرها، كلّ ما أذكره هو ردّ بومحمد: “والله عيارتك.. لا مشاغل ولا شي، إلا الكسل ذابحكم”. شعرت لوهلةٍ أنّ هذا الرجل الغريب يؤنبني أنا، ويلقي اللوم على تقصيري بالعذر نفسه: الانشغال بالعمل؛ ولكنّه آثر أن يسمّي الأشياء بمسمياتها. في حقيقة الأمر، فإن الذي حدث بدأ به عقلي يشاغبني باحثًا عن سرّ الغرباء.. من هم؟ وماذا يحملون لنا من رسائل؟ ومن الذي بعثهم في الوقت المناسب دون سابق إنذار؟ والأهم من كلّ ذلك: كيف لنا أن نلتفت لهم ونقتنص الفرص التي تهدينا إياها الحياة عن طريقهم؟ مع هذه التساؤلات فقط.. تبدأ الحكاية. كان مميّزًا، من أولئك الذين لا يعترفون بتقديم اختبار جيّدٍ. وكان متعلّقًا بأمّه وأبيه، تخرج ولم يُوَظّف، ساقه الضياع للهروب ببدنه خارج الديار، في القطار.. يبادله طفلٌ الابتسامة، يدور حديثٌ مع أمّ الطفل، يأخذ الحديث مجراه إلى كثير من تفاصيل الغربة التي اختارها، كان يريد أن يسمع جملة واحدة، وسمعها: “إذا كنت مرتاحًا في بلدك.. لا تفكّر بالغربة أبدًا”. مع الرحلة العائدة الأولى عاد إلى حضن أمه ولم يهجره أبدًا. مثل هذا الضياع كان يلطم بموجه عليها يمنة ويسرة، ترسل متطلبات التوظيف إلى سبع مؤسسات، أتاها الردّ أخيرًا، تبدو متردّدة، خائفة، مرتبكة، حالمةٌ تفكّر في مستقبل مجهول، وتخشى الفشل في الاختبار الأول وهو المقابلة؛ لكنّها كانت تحمل في عينيها بريق الأمل والحلم.. تحدثت عن نفسها في ثلاث دقائق، فقطع حديثها: “أعرف الضياع الذي أنت به الآن، ولكنّي أرى فيك ما سيجعلك “شيئًا” في هذا العالم.. ثقي تمامًا بذلك” كم تترك الكلمات فينا أثرًا إن كانت صادقة في وقتها. أثناء رحلة إغاثية حمل همّ الدنيا فوق رأسه لسببٍ تافه، شغل تفكيره وعكّر مزاجه، يخبرني وهم في إحدى الصحاري الأفريقية مرّت بهم امرأة عجوز قست عليها الأيام حتى احدودب ظهرها الذي تحمل عليه ثلاث سلالٍ من الموز، كانت ابتسامتها جميلة، غريبة إلى الحد الذي تتحدث فيه وتنطق، نعم؛ كانت ابتسامتها تعلّمه بساطة الحياة التي لا تستحق عناءً، وكيف لنا أن نرى في دقائق الأمور السعادة بدلًا من أن يعكّر صفو يومنا نوم صاحبنا عن برنامج الصباح. في المقابل، كانت أخرى تربط خيط حذائها في أحد المطارات وينفك مرارًا، إلى أن استسلمت للحقيقة التي قالها أحدّ المارّة: “اتركيه وشأنه.. فلا يختلف خيط الحذاء عن خيط الحياة، إنّه يزداد تعقيدًا كلّما حاولنا تجميعه، إنّ العقدة جزءٌ من طبيعة كلّ شيء”. تقوم الحياة بدورها في رمي الرسائل رميًا، فمن ينتبه؟ ومن يقتنص؟ ومن يستطيع أن يدرك ذلك ويسقطه على نفسه؟ أحبّ الذي يجد في أنصاف الفرص رسالةً له.. وكثيرٌ من عابري السبيل هم لطف الله الخفيّ، يمرّ علينا ثمّ يمضي، دورنا ألّا نجعله يمضي وحسب، فكم علمنا الغرباء ما لم يعلمنا الأصحاب. يونيو 2019