المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
08/01/2020
4 دقائق قراءة
6 مشاهدة
النصوص العابرة
من هنا أحيّيكم متوجّهًا للحدود السورية أجرّب الخير بقلبي ويدي خالصًا دون أحكام مسبقة، أحمل في داخلي كثيرًا من المشاعر، ممتلئٌ بالقصص، غاصٌّ بالكلام، غارقٌ في معانيه، هنا حيث الإنسان -لاجئٌ- يتكلّم بلا أقنعة الرفاهية والتنعّم، هنا في تغريدات، أروي لكم قصصًا عالقة، وحكايا لا تنتهي. هنا أسرة تعيش في أمتارٍ من حظيرة حيوان، يقاسمهم المعيشة جلود الماشية، يفوح النتن في أرجاء المكان، طريقه مظلمٌ حالك. في رحلة بحرية ترفيهية، أخذتهم موجة عاتية، غرقت ابنتان، همّ الأب بإنقاذهم حتى غرق معهم، عندما سألنا أصغر الأبناء وهو ابن الثالثة عن مكان أبيه، قال: هو في الجنة. هذا العام فقط، أستشعر معنى المشاركة واقعًا، منذ دخلتُ هذه الغرفة المتواضعة التي يسمّونها منزلًا، كان عبدالله ينظرّ إليّ بعينٍ لامعة، خيّرناه بين معطفين، فاختار الأحمر رغمًا عن صغر مقاسه، قيل له اقرأ ما كُتب، فقال: “ما باعرف اقرا” عبدالله لا يمتلك حتى الرسوم الرمزية لباص المدرسة. “كنتُ تاجرًا كبيرًا في بلدي، اضطرتني الظروف للعيش في هذا الدبّاغ مع زوجتي وأبنائي، اللحم لم يدخل منزلي منذ سنة كاملة، ابني خميس يحلم في اقتناء دراجة هوائية فقط، أشعر بالعجز في كل مرة، يبكي الأطفال معي كل ما بدا عليّ القهر” أبوغفران وهو يروي قصته أمام أسرته باكيًا عاجزًا.. صابرًا. في يوم ماطرٍ بارد، وجدناه في طريق البحر، يختبئ بكرسيه وحيدًا تحت خيمة متهالكة، ما إن اقتربت منه حتى همّ بالحديث، أُصيب بشللٍ في حادث عمل فقد فيه الشعور بأطراف رجله، إنّه يزحف للشارع حتى يجد من ينقله لشراء طعامه بمال لا يعرف كيف يُساق إليه، لم يبح بكلمة أشدّ وقعًا من: “أنا عاجز.” هنا بارقةُ أمل، دِفْءُ محبة، رعشة وفاء، هنا الوجوه تتكلم بكلّ ما تخفيه من براءة وألم، ثنائيات يصعب فهمها، هنا الابتسامة تقتل الحزن، الطفل يتفنّن في صُنْعِ الفرح رغمًا عن قسوة الحياة وسطوة التشريد ومرارة اللجوء. كان يحدثني وعكّازه يرجف في يده، في ابتسامته حزنٌ لا يستطيع إخفاءه، في قلبه إيمانٌ تسمع دقّاته، البرد هنا قاسٍ قبل أن يكون قارسًا، تعاني زوجته من العمى وهو من المرض، يتشاركان الدواء، ظلّت كلمته التي كان يردّدها بين الفينة والأخرى عالقةً فيّ، أسمعها بصوته الرخيم: “ظَلّوا بخير”. فاصلٌ غنائي من قلبِ المعاناة مع صديقتي اليتيمة الجميلة بَيْلَسان التي تحبّ أن نسمّيها: بيسو أبو حمزة، الرجل الذي لم أفهم كثيرًا مما قال، كانت تجاعيده أبلغ من شكواه، في صوته غصّة ألم، وضعت يده على كتفه حتى أسمعه، فاقترب يحكي معاناته؛ “كلّ شيءٍ صعبٌ هنا، العمر يمضي بنا، ولا شيء يحدث غير ذلك، رضينا بحكمة الله وقدره” لكنّ النور يشقّ طريقه في وسط الظلمات، هذا إيمان وأمل. فقد بصره تمامًا، محمود استقبلني لأسمع منه قصّته، كان يخبرني أنّه نسي كلّ شيء، سألته: ما أمنيتك يا محمود؟ قال: “أمنيتي أن يعود لي البصر لساعة واحدة فقط كي أرى فيها وجه ابنتي الصغيرة آلاء”. يتناوب الأبناء على قيادة أبيهم الكفيف، وكان الدور عند التقاط هذه الصورة على الجميلة آلاء. إبراهيم، يبلغ من العمر ٣٠ عامًا، ما إن حطّت رحالنا عنده حتى استقبلنا بعناق دافئ، كلّه حبٌّ وترحيب وجمال، يعاني من إعاقة ذهنية ومشاكل في النمو، أخذ الله منه الكلام والتعبير الشفهي، وأعطاه شعورًا وحسًّا فريدًا، يجبرك على التبسّم بابتسامته التي لا تفارق محيّاه. هذا الرجل الذي أبيت إلّا أن آخذ معه صورة بعدما سألته ما الذي تحب أن تقوله؛ “قال والله إنّا نحبكم، وابتسامتكم تعني لنا الكثير” وكأن عمره الذي حمل همّ الجبال يزينه قلبٌ يحب الحياة، كان باشًّا يضحك بأعلى صوته صارخًا في وجه البؤس والتعاسة وقسوة الحال. فارس، كان آخر رجل سمعت قصته، دخلت خيمته في يوم معتدل الحرارة، يخبرني أن الله أكرمهم اليوم بطلوع الشمس بعد أيام من الصقيع، لا تسمع من صوته إلا بحّة، بفعل ورم في منطقة جريان الصوت، إنه يستنشق دخان البلاستيك -شديد الضرر-الذي يشعله مضطرًا للحصول على تدفئة تقيه وأسرته من البرد القاتل. الأربعاء – 8 يناير 2020