صوت التجربة
30/06/2020
دقيقتان قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
قدَرُك يحبّك، إنّه يعبّد لك الطريق، ويمهّد لك الحياة، يتيح لك التجربة حين يختار وقتها بعناية ولا يضمن لك نتائجها: قد تتكبّد عناءها وهي تذيقك طعم الفشل غافلًا عن ضغوط التوقعات المسبقة، كما أنها قد تودي بك غارقًا في وهم البطولة، وتضطرّك للتفاخر بأشباه الإنجازات، ومن بين كلّ قدٍّ وقد؛ هناك ما يستحقّ المحاولة. تجاربنا بين الحذر والمجازفة، أشعر أنّها تختصر الرحلة أميالًا ولكن لا تلغيها، وتقفز بالعمر أعوامًا حتّى نظنّ أن العمر هو التجربة -وإنّ بعض الظنّ وهم- لا شكّ إنّها تشقّ المسار وتشكّل الأفكار وتبلوّر المعاني، الأهم ألّا تتضخّم حتّى تستعجلنا إلى منصّة الحُكْمِ على الآخرين ومراتب الحِكْمة الأنانية. إنّ للتجربة الخاصة سحر السدّ الذي قيل فيه: “فأغشيناهم فهم لا يبصرون” يحسب صاحبها أنّه بكل تجاوزٍ قد أنقذ نفسه من غرقٍ حتميّ كاد يودي بمستقبله وأن على الجميع الأخذ بمسلكه، إلى أن يعي صاحب التجربة أن التشابه لا يعني التطابق، وكم من حفرةٍ سقطت فيها لم تكن في طريق صاحبك. هل يعني هذا ألا نستعرض تجاربنا؟ قطعًا لا. إن هذا التشابه مفيد، مفيدٌ جدًا، قبل أن يكون مؤنسًا، فنحن نحب سماع القصص، وتكبر فينا عندما نحسن إسقاط المعاني في مكانها الصحيح، ولكن ذلك أيضًا لا يكفي، فالمستمع غير المجرّب بنفسه، إن للتجربة تأثيرًا أكبر، إنّه حقيقيٌ أكثر وممتعٌ، يصنع قناعاتٍ أكثر صلابة، ومشاعر أكثر عمقًا. ولك أن تنظر الفرق في عينيّ الحكّاء عندما يتحدث في تجربته الخاصة أو يستعرض تجارب الآخرين، ترى الصدق يشعّ من هزّة جفنه، وامتلاء عينيه بماء القلب، إنّه هو ولا أحد سواه، كما أن هذا ما يورثه تنوع التجارب من سلاسة القصِّ وحسن البيان واستنباط المعاني، وزد على ذلك: أنّها تقلّل احتمالات الخسارات القادمة. لمناير جملة رنانة تقول فيها: “مولعةٌ بالسلالم، وكلّ التجارب سقوط” هذا السقوط ذاته الذي يحفر في داخلك غزيرًا، وينحتُ فيك الإنسان الذي أنت عليه اليوم؛ بفكره ومشاعره ودوافعه وسلوكه، إنّه ذاته الذي يقول عنه جاسم: “وعلّمني السقوط ببئر نفسي .. بأنّ الماء في الأعماق أحلى”. الثلاثاء -30 يونيو 2020