المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
28/09/2018
ثلاث دقائق قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
ودخلت المدينة.. فأنزل الله سكينته على قلوب المؤمنين، إنّي أقف الآن بين الجموع فوق أحد السطوح، أنتظر تشريفه، يقترب أكثر فأراه وصاحبه، كان يقطر تواضعًا، مهيب الطلّة، مشرق الوجه، سمح المحيا. أشتمُ رائحة النبي في كلّ زاوية، عند كلّ سارية، قلبي يهبط من خشية الله عندما أسجد، هنا تحديدًا.. وضع رأسه يومًا ثمّ دعا، أستشعر شوقه إليّ كأنّني أراه ماثلًا أمام عيني ودموعه تسبقه: اشتقت لإخواني، هم قومٌ آمنوا بي ولم يروني. في مصلّاه أراه ساجدًا، أخيرًا رأيته.. أرى اثنين من الصبية يعتلون ظهره، يطيل السجود أكثر، فأكثر، وما إن يقرر ينزل الصبي عن ظهره يرفع هو من سجوده. يدخل عليه نفس الصغير وهو على المنبر، فينزل يحمله ثم يكمل.. ليتني ذلك الصبي، أراني فوق ظهرك ألعب مرة، وبين يديك فوق المنبر مرة. أراهم قد اجتمعوا، يبدو أن هناك من يحدّثهم.. هو لا يحدّثهم فحسب، بل يتحدث معهم في شؤون دينهم ودنياهم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، هنا عابدٌ بين يديه كلّ البركة، هنا قائدٌ اجتمعت فيه كلُّ الحكمة، هنا رسول عزيزٌ عليه ما عنتم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، هنا النبي. هل تسمعون ما أسمع؟ أنينٌ طفلٍ تائه كما يبدو عند الوهلة الأولى، أقترب أكثر.. لا أرى أحدًا، أفتّش يمنةً ويسرى، يرتفع صوت الأنين أكثر.. فإذا به جذعٌ كنتَ تخطب به يا رسول الله قد اشتاق لك، الجذع حنّ لمحبوبه، وكلٌّ يدّعي وصلًا بك يا سيدي يا رسول الله. ودخلتُ المدينة.. فإذا القوم ليسوا القوم، لم تعد في وجوه الصحابة بسمة، كانت وجوههم تنطق بالحزن، قسماتهم تأنُّ من فرط الألم.. ترى السماء عابسة كأنها تشعر بدنو الأجل، ابن الخطاب يهدد بقطع الأعناق، يهزّ المنبر صدّيق هذه الأمة: من كان يعبد محمدًا، فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله.. فإن الله حيٌّ لا يموت. أراه راقدًا في قبره، آمنًا مطمئنًا وقربه صاحبيه، هو هنا، وهناك.. عند ربّه: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى. يلوّح له كلّ غادٍ وراح: السلام عليك أيها النبي، نشهد أنّك قد أديت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حقّ جهاده. لم يعد بلالُ بلالًا الذي نعرف، لم يعد صوته مدويًّا كما كان، الأذان هذه المرة لم يكن بصوت بلال، كان بلالٌ يجترُّ الكلمات اجترارًا ليتمّ الأذان، ولكنه صوت الحزن الذي بح منه صوته، فإذا بالمدينة كلها تبكي.. تبكي حبيبها الذي ما عاد بينهم بجسده. كان روحًا تسري فيهم كلما خبت العزائم، وقلبًا تهوي إليه الأفئدة كلما أرادت سكينة وطمأنينة، كان فيهم كلّ شيء.. تركنا على ثقةٍ بأن من أمته من سيكمل مسيرة هذا الدين، فأنّا لنا أن لا نكون عند قدر هذه الثقة العظيمة. الجمعة – 28 سبتمبر 2018