غربة
08/09/2020
دقيقة قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
أُغلق الخطّ بعد اتصالٍ مرئيٍّ مع صديقٍ لم أره منذ شهور طويلة، كنتُ أرى في وجهه السنوات التي مضت، وفي عينيه انعكاس الأيّام الأُوَل، أسمعُ في صوته أحاديث الليالي القديمة، حيث كانت لذّة الجلوس على الرصيف لا يعادلها لذّة، رمَتْه الحياة بيننا إلى أن مضى حاملًا معه قلبًا مثقلًا بالحنين. كان لي صديقٌ آخر مليءٌ بعقله، يقدّم المنطق على العاطفة، كحالِ كثيرين نعرفهم، أخذته حياة الاغتراب بعيدًا عنّا، فانقطعت أخباره طويلًا إلى أن تبادلنا الحديث مرّةً شكى لي فيها مرارة الغربة، وجفوة الأحباب بعد نسيانهم العهد القديم، كان يمتلئ حرقةً، يفتقد الحبّ ممن كانوا حوله، يفتقد السؤال؛ أدنى حقوق الصداقة، هنا كانت المرّة الأولى التي أسمع فيها قلبه يتكلّم بطلاقة. أمّا خالد فكان مختلفًا، وهو هناك في البلاد البعيدة لا يسمح لنفسه أن يكون بعيدًا، يسبقك في المناسبات الخاصّة والعامّة، يقدّم التنهئة، ويرسل عربون الحبّ في كلّ مرّةً نسيتَ فيها أنّه هو من يستحقّ ذلك منك، وأنّه هو المغترب الذي ينتظر معينًا على قسوة البُعد، وأنّه صاحبُ الحقِّ في الوقوف بجنبه وشحذ همّته ومدّه بالوفاء والتقدير، في المقابل فإنّه بهذه الخطوة ينتصر مرّتين، الأولى على تقصيرك والأخرى على نفسه المثقلة بهمِّ الغربة. الغربة التي تأخذ جسدك بعيدًا عن من تحبّ وما ألفتَه من حياتك التي كانت مليئةً بالناس والأماكن والأشياء، والتي سرعان ما تتحوّل إلى ذكريات تظلُّ عالقةً في جدار روحك، لا يؤذن لها بالخروج إلى بتحفيزها من جديد، وما أكثر الأشياء التي تفعل ذلك، الوجوه، العيون، الروائح، الصور، الخيال الذي يردّك إلى الواقع الذي يقول؛ متى يرفع أحدهم الهاتف ينقذني من غربتي؟ وهذه غربة جسدٍ كم أغبط من عاشها لما في هذه التجربة من تهذيب شخصي بشهادة كثيرين، إلّا أن للروح غربةٌ أيضًا، يشعر بها من ينفصل عن واقعه وهو فيه، ويبتعد عن من حوله وهو معهم، ولا يجد من بين كلّ الذين يعرفهم من يشبهه، أو يؤمن بما يجب أن ينبغي الإيمان به حسب ظنّه، تائهٌ لا يجد طريقًا إلى قلبه.. وهذا مصداق قول مريم: “الغربة في القلب لا في المكان”. الثلاثاء – 8 سبتمبر 2020