من عند الباب
04/08/2026
دقيقة قراءة
19 مشاهدة
النصوص العابرة
كان مقبلًا على حياته الجديدة بقلب من لا يملك ترف الفشل، وكنتُ أسمع شغفه في رعشة صوته. يحاول الرجل بشتى الطرق الوصول إلى أصحاب الخبرات والاستفادة من تجاربهم، إيمانًا منه أن عمر التجربة الإنسانية يمتدّ طولًا وعرضًا إذا بدأ من حيث انتهى الآخرون، وأنّ التجارب التي تبدأ من الصفر قد تضيّع العمر كلّه في الخطوات المتعثّرة. كان مدفوعًا بالأبواب، يرسل الرسائل بكلّ أدبٍ وذوقٍ، ولا يجد ردًّا ولا جوابًا، كان يغالب اليأس، ويتحدّى الظرف، ويتجاوز الوسائل الإلكترونية ويقطع المسافات ويعبر البلدان ليحظى بفرصة لقاءٍ عابرٍ قد يجد ضالّته فيه. وبعدما استقرّ به الأمر، وصنع لنفسه اسمًا يحترمه فيه أهل تخصصه، أقبل عليه أغلب أولئك الذين لم يجدوا وقتًا لفتح رسائله والرد عليها ومجالسته ومناصحته في البدايات الأولى، وصار له حضورٌ خاصٌ بينهم يستحقّ لأجله تحمّل عذابات السفر. وهذا دأب الحياة المعاصرة التي تقدّر الناس بقيمة المادة التي في أيديهم، فلو كان الرجل غنيًّا بما فيه الكفاية، أو صاحب جاهٍ تتكسّر عند اسمه الأبواب المغلقة، أو يحمل اسمًا وهميًا تتلهف به الجماهير ويصفّق له الملايين.. لكان ذلك أدعى أن يكون ذا قيمة عندهم، وأجدر في أعينهم بالاهتمام.
وفي الحديث النبوي الشريف الذي يقول فيه النبي ﷺ: "رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ" (رواه مسلم). وهذه قصة الكثيرين من أصحاب البدايات الخجولة، حين يودّ المرء صناعة حياته التي يتمناها لنفسه، فيجد الأبواب مغلقة في طريقه، فيضطر للركض في كلّ الاتجاهات، حتى يجد مفتاح الباب الذي يوصله لمبتغاه، أو أن ينحت بابه بيده، ويحفر الصخر بحثًا عن مفتاحه الخاص.
حتى يدرك أخيرًا أن بعض الأبواب لا تُفتح؛ لأنها لم تُصنع له، وأن عليه أن ينحت في الصخر بابه الخاص.