بصمت؟
04/08/2026
دقيقة قراءة
21 مشاهدة
النصوص العابرة
تزامنًا مع الثورة الصناعية في نهايات القرن الثامن العاشر، كان المخترع الأمريكي «ويلارد بلاندي» يصنع تاريخًا جديدًا لشكل العمل المؤسسي، وهو يقف أمام ختراعه المدهش: آلة خشبية ضخمة ومسننات معدنية لتسجيل حضور عمال المصانع. وهي المحاولة الأولى لترويض الزمن، وضبط جسد الإنسان الحيوي في مواكبته لإيقاع الآلة المادي. اليوم تبدّل شكل الآلة، وأنت تراها أمام عينيك وهي ترمقك كلّ صباح حين تضع بصمتك التي تعلو سبابتك على الجهاز، وكأنه الإنسان في هذه اللحظة يرهن جسده للنظام المؤسسي، ويستشعر ثقل القيود وهي تختزل أحلامه ومزاجه وتقلّبات روحه في مجرّد حالة حضور. نقف أمامها وكلنا أمل أن تدرك هذه الآلة أننا بشر، نشقى ونتعب، ونحمل همومنا معنا أينما ارتحلنا، حتى لو نصحك روّاد التنمية البشرية بالحل السحري: «افصل»! وبعيدًا عن طبيعة العلاقة العاطفية بين المرء والبصمة، على اعتبار أن الكائن السائل الذي يلبس أجسادنا المعاصرة يأبى الانقياد، فإن هذا النظام هو الحارس الصامت الذي يقف بالمرصاد ليحمي عرق الموظف المجتهد من أن يذوب في زحام المتسيبين. العمل المؤسسي سيمفونية كبرى لا تكتمل روعتها إلا بتواجد كل عازف في مكانه ولحظته المناسبة. وهكذا يبقى الإنسان معلّقًا في التناقض المعقّد، نحن أرواح تحبّ التحليق -والتسيّب صراحة- لكننا في الوقت ذاته صُناع حضارة لا تقوم إلا على أعمدة الانضباط. وبين هذا وذاك.. تمضي الأيام، ونستمر في وضع أصابعنا كلّ صباح.. لندير عجلة الحياة. وأولى من ذلك كلّه أيها الأصدقاء، أن تكون للإنسان بصمته الحقيقية في العمل.. وفي الحياة.