المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
24/12/2017
4 دقائق قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
دعوني أهمس لكم: أنا الذي في القصة.. لست أنا! قراءة ممتعة. من بين آلاف المارّة في ذلك الحرم الجامعي الذي توشّح بالأحمر والسعادة في عيدٍ يكون فيه الوطن عريسًا بمعنى الكلمة، كنت أنا، نعم.. أنا وسط صخبٍ وضجيجٍ يملأ المكان يقتادني صديقي في جولة لدخول الأركان الخاصة بالجمعيات الطلابية -أو كما يحب أن يسمّيها الجميع هنا “بارتشن- لتكون محطتنا الأخيرة عند ركن الآداب. أنتظر في صفٍّ قصير، يأتي دوري بعد أقل من خمسة دقائق، كنّا في عام 2013.. دعوني أصارحكم: استثقلت الدخول بداية الأمر، إلا بعدما سمعت وأنا في طابور الانتظار بلحنٍ جميل “أرضي هناك..” وهو نصٌّ لرجل الإدارة الراحل غازي القصيبي في حضرة موطني الذي فيه (الضوء لاح، فديت ضوئك في السواحل يا منامة)، كنت أحد الحضور بعد دقائق معدودة من التشويقة التي رحبّت بي، لأشهد (أوبريت) طلابيًا راقيًا كان فيه الفن والوطنية سيّد المشهد (بين أصالة الأمس وريادة الغد). لتحصد بذلك جمعية كلية الآداب المركز الثاني في هذا العام، ترتقي به من هامش اللعبة إلى وسطها في سابقة غير معروفة. لم يتكرر المشهد كثيرًا بعد عامين، إلا أنّه انقلب رأسًا على عقب.. فأنا الذي اقتدت صديقي هذه المرة كي تكون الآداب محطّتنا الأولى، فإذا بي أصدم بطابور طويل يسترق السمع والبصر لما يدعى (بالهولقرام) الذي اخترعته الآداب هذه المرة كي تنقلنا من ماضي الأجداد العراقة والتراث الأصيل إلى حاضر الأجيال حيث التطور والتجديد، في فكرة مغايرة ومحتوىً يختار من الماضي أنصعه، ومن الحاضر أفضله، ومن المستقبل أروعه. نسيت إخباركم أنّ هذا الطابور الجديد هو سمعة الآداب التي صنعتها السنتان الماضيتان. عامٌ جديد، وكما العادة آدابٌ جديدة. دخلت الآداب هذا العام بفلسفة مختلفة تقول فيها: “متعة الجمهور والأول في قلوب الناس هي الغاية”. لا عليك، طابور الصباح يتوسط المشهد، تحيّة العلم، أصحاب الدار هم أهل الآداب الذين يرجعونا إلى الأيام الجميلة حيث مقاعد الثانوية، في المدرسة التي استقبلتنا جميعًا، مدرسة الآداب. وكما قال رفيع: (جكج بك وإلا أنا عندك) يقرع جرس المدرسة، يرحب بنا الأستاذ من الشاشة ويترك لنا الحصّة مشهدٍ تمثيلي يلتقي فيه روّاد الآداب في البحرين “تخيّل معي لو اجتمع الشاعر عبدالرحمن رفيع بحسّه المرهف والصحفي عبدالله الزايد بحنكته وذكائه والمثقف محمد البنكي بفكره ونجمه رحمهم الله جميعًا عند قهوة في أحياء البلدة القديمة يتسامرون الأدب والثقافة، ليكون اجتماع العمالقة من مختلف الأجيال رمزًا للعطاء” بكل بساطة هذا الذي ألهمتنا به الآداب هذا العام ليشهد المسرح على تميّزها، رغم أنها ليست بمسرح.. حقق في نهاية الأمر المركز الثالث في التقييم ولعبة الأرقام. الذي تصنعه الآداب يكمن وراء سرٍّ لا يعرفه الجميع، كانت هذه قناعتي فاخترتُ أن أكون بينهم هذه المرة. أشارك بالفكرة، أكتب النص، أسجّل العمل، أصبغ الجدار، أضرب المسمار، أحضّر الشاي والقهوة، أمسك الكاميرا.. أقف مرةً خلفها والأخرى أمامها، أستقبل الناس في الخارج وأكون مرشدهم في الداخل، أنا الممثل والمخرج، لا تراني مختبئًا خلف كالوس أرقب أعينهم خلسةً من ثقبٍ في الجدار لا يعرفه إلا أنا.. كلّ ذلك كنت أنا! بعد سبعة دقائق تكون الرحلة قد بدأت في مترو الآداب الذي تم صنعه لنقل الركاب إلى فرع كلية الآداب بالمحرق. هكذا تخيلناها. لتكون الرحلة الأمتع في قوس أزرق يعتلي السقف، وعرضٍ تودّ لو أنّه لا ينتهي.. الأحداث المفاجئة التي في المترو “أيها السادة” كانت ملهمة، ترى الجمال الآتي بعينٍ من نور، تكون به جامعة البحرين بشبابها جسرٌ للمستقبل. لم نعد نتكلم عن الإنجازات على المستوى الصغير، صارت العالمية غاية كلّ بحريني وواقعًا للعديد منهم في عام 2030. استعرضنا ذلك في معرض إلهام. فعندما تلهمنا الآداب يشرق المستقبل! فلسفة الآداب تثبت نفسها: أن تجمع بين حب الناس والمركز الأول، أن تأتي بالمعادلة المعقدة، أن تكون الرقم الصعب، أن تكون آدابي الهوى دومًا وأبدًا. حملتُ أمتعتي بعد يوم شاقٍ ولكنّه ممتع، عرفت فيها أن في الآداب روحًا متقّدة، لا تكاد تنطفئ حتى تنبض من جديد على وقعٍ آسرٍ من العمل والإنجاز، لمعة العيون وتبسم القلوب، كان يكفي أسرتنا العظيمة التي تكبر يومًا بعد يوم أن تكون الأول في كل ذلك! نسيتُ أن أخبركم أنّي لم أعد (أنا). فقد صرت منهم، صرت (نحن) أيّها السادة.