المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
04/05/2018
ثلاث دقائق قراءة
1 مشاهدة
النصوص العابرة
أجهل التاريخ، لستُ مولعًا بالأرقام.. أدخل المنزل بعد يومٍ قضيت أغلبه خارجه، كان منزلنا كئيبًا يلفّه السواد من كلّ جانب، ما إن أقبل مولودنا حمزة إلا وكانت الأَسِرّة البيضاء ترعاه في كلّ مشفى، كان بطلًا يقاوم المرض، أخبرتني أمّي أنّ اليوم، يوم سفره لاستكمال العلاج، فاذهب إلى أختك وودّعها.. لا أخفيكم سرًا أنّ أمّي كانت تعاتبتي دومًا على عدم الاكتراث والسؤال عن صحة الصغير، ولكنّني والله يا أمي كنت أتقطّع ألمًا، وقد أخذ مني الألم حينها حتى السؤال ضعفًا عند ذلك الموقف، لا تلوميني يا أمي.. فلا أريد أن أكون السائل الذي يطالب أم المريض بتكرار الجواب: “الحمدلله” وهذا الحمد الذي يحمل في تنهيدته الألم من كلّ أطرافه، استجمعت قواي ثم ذهبت لأودّع أختي، قلت لها حينها: أشعر أن هذا الصغير الذي اجتمعت أدعية الجميع لإنقاذه، سيكون له شأنًا تفخرون به.. بعد أقلّ من تسعة شهور، أخذ الله أمانة الصغير.. كانت شهورًا موحشة. كان يتألّم منذ أيّامه الأولى، ثقبٌ في قلبه الصغير، وآخر في وسط العائلة.. تتدفّق الشحنات في جسمه عكس الاتجاه.. كما تدفّق الحزن على غير التوقعات بقدوم الوليد، كان الجميع على حافة الاستسلام.. يكتب الله بحكمته أن يربط على قلب أمّه، فتختار المحاولة في أن يبقى الابن حيًّا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، عبرت به البحر حتّى تسعفه، وكانت تنجح كثيرًا، يبتهج الطفل مرّة، ويتألم مرّة.. اجتاز عددًا من العمليات، إلى أن عاد لأهله بعد فترة من الزمن. نادرًا ما كنت ألعب معه وهو في سريره، دون أن أحمله، فقد كان مكبّلًا بأنابيب الأوكسجين تمدّه بالحياة، كان يقاوم ويبتسم.. وما إن يسرق الألم بسمته، ويبدأ بالمقاومة، أصرخ على أحدهم ليعالج الموقف.. كنت أخاف هذه الدقيقة أكثر من أيّ شيءٍ آخر. كنت أعود أحيانًا من خارج المنزل، ولا أرى الصغير على فراشه، عندها أعلم أن سيارة الإسعاف كانت ضيفنا الثقيل قبل لحظات. كانت الحياة في هذه البيئة المتلاطمة بين موجي الألم وبصيص الأمل متعبًا. كانت أختي وزوجها يجسّدان مثال الصبر والتسليم، كانت أمّي كما العادة قويةً في مواجهة هذا النوع من الصعاب، أبي كان كذلك. أمي تتصل بعد لحظاتٍ من خروجي من المنزل: “نوح، حمزة عطاك عمره” لا حول ولا قوة إلا بالله.. كان خبرًا متوقعًا، ولكنّه بات صادمًا! عدت سريعًا.. البيت يغرق بالدموع، كبيرهم قبل صغيرهم، تمالكنا أنفسنا، واستجمعنا قوانا، وبدأتنا بالإعلان عن موعد الجنازة والتعزية.. دخلت للمرة الأولى مغسلة الأموات، كنت أقف وحيدًا، يدخل أبيه تارة، وأخي تارة، كنت أتأمل جسد الصغير وهو يقلّب في الكفن، ويطيّب.. كان جميلًا، لطيفًا، مات بطلًا يقاوم دون أن ينطق بكلمة واحدة.. أخذ الله أمانته طيرًا في جنة الله.. علّمنا أن الله حكيمٌ في أقداره، استخرج من أنفسنا أختًا صابرة محتسبة، قوية.. تنهار، ثم تعود أقوى.. فلا يوجد أغلى من فقد الولد، اللهم لا اعتراض يا رب، كان درسًا لنا جميعًا، بلا استثناء. بحمدالله، في شهرها السابع تستعد أختي لاستقبال فرحةٍ جديدة.. شكرًا يا رب.