المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
27/10/2017
ثلاث دقائق قراءة
9 مشاهدة
النصوص العابرة
يسألك الحكيم: ما اللحظة الأجمل في حياتك؟ بطبيعتنا البشرية نحب التغيير، يزعجنا دوران الساعة دون أن يدور معها شيءٌ آخر، نحب الفرح أينما كان، قلوبنا الصغيرة تستحق السعادة في عالمٍ ليس مفروشًا بالورود، والإنسان بقلبه وشعوره يصعد فوق سحابة الألم، فتمطر روحه أملًا وحبًّا ورحمة، لا نحب القيود إلا في سجون الفرح، ولا نلتمس الحياة إلّا حين تطرق باب قلوبنا اللحظة الجميلة. اللحظة الجميلة هي تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل القلب يكبر، يكبر، يكبر.. حتى يرتعد من تضخّمه بتدفق الدم فيه بشكلٍ مفاجئ، عندها يتحول حديث القلب الذي لا تشعر به إلا الروح إلى نبضٍ سريعٍ يتجمّل بإيقاع الفرح الذي يطرب له صاحبه، في هذه اللحظة فقط.. يُسمعك القلب صوته لأوّل مرة كأنّه رجلٌ على مشارف الحياة يربّت على كتفيك ماسحًا على رأسك الصغير: أحسنت يا بني، أنت تستحق الفرح كلّه. الأقدار التي نظنُّ أنّها جميلة، هي في حقيقتها كلٌّ من لحظة صغيرة مميزةٍ في وسط كل تلك الحكاية، نحن لا نفرح -مثلًا- بحفل التخرّج بقدر فرحتنا عند اللحظة التي ينادى بها اسمنا في ذلك الحفل، هذه الثواني هي التي تجعل كلّ ذلك جميلًا، لأن القلب بطبعه يتعمّد تعميم الفرح وتطويل أمد السعادة. وكلّ تلك السنين التي يقضيها الأستاذ في التعليم تكون هباءً عند اللحظة التي يلتقي بتلميذه القديم الذي يذكّره بالكلمة التي سمعها منه والتي رسمت له طريقًا في البحر يبسًا [وما أجمل أن يقابل عرفان الأستاذ بوفاء التلميذ]. بالمناسبة، سألتُ أمي عن تلك اللحظة التي لا تنساها، قالت: هي اللحظة التي ولدت فيها، ثم نطقت بكلمة “ماما” ثم اللحظة التي قررت فيها الوقوف على قدميك، ثم نجاحاتك وتفوقك على المستويين العلمي والعملي -وقد شاركها أبي سعادته بتلك اللحظة- وأنا أنتظر يا بني يوم عرسك بفارغ الصبر -وأنا أعدك يا أمي أن أسعدك بذلك، ولكنّي لا أستطيع ضمان سرعة مجيء ذلك اليوم! الشعراء والمفكّرون يقدّسون اللحظة التي يتجلّى أمامهم المعنى وكأنه سقط عليهم من أعلى السماء، يخبرني أحدهم: ما أجمل اللحظة التي أسمع فيها أبياتي من مجهول، دون أن يعلم ذلك المجهول بوجودي في أطراف المكان، كما أن الفنّان الذي يجعل الحضور الكبير يخيّم عليه الصمت المهيب وهو على المسرح، يعطيه نشوة الانتصار من تمكّنه في السيطرة على قلوب الجميع، لا يختلف المؤثرون كثيرًا في فرحهم بسماع ردّة فعل الجمهور، ولكن يخبرني صديقي صانع الأفلام الوثائقية أن اللحظة الحاسمة هي في تعابير وجه بطل العمل وهو يطالع سيرته، فإما أن تفرح يا صديقي بنجاحك أو أن تبكي وتواصل المسير، وقد فرحت فعلًا. لست متابعًا جيّدًا لكرة القدم، نجتمع على حبّ الوطن، هدف إسماعيل عبداللطيف في ملحق كأس العالم في مرمى السعودية كان مختلفًا جدًا، كانت لحظة مميزة، بغض النظر عن النكبة التي تبعتها، مشهد وداع نجم نادي روما الإيطالي فرانشيسكو توتي في ملعب الأوليمبكو بتصفيق حارٍ وحضور مهيب جعلت من داخل عيونه أنهارًا واختلطت في قلبه السعادة بالحزن. ويقال إن الأيام الجميلة لم تأتِ بعد، ففي انتظارنا لحظة جميلة، يتعذّر عليّ وصفها:{ادخلوها بسلامٍ، ذلك يوم الخلود} نسأل الله أن نكون من أهل هذه اللحظة. اللهم آمين. يخبرني الحكيم بعد أن قرأ هذه الأسطر: دع عنك سرد القصص يا بني، واصنع لغيرك لحظةً جميلةً لا ينساها أبدًا، ثق تمامًا .. أنّها ستعود لك يومًا.