المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
11/11/2017
4 دقائق قراءة
8 مشاهدة
النصوص العابرة
الرحم هو الفضاء الأول الذي نسبح فيه قبل الولوج في فضاء هذا العالم.. الفضول الذي يملأ قلبي يجعلني أتساءل دومًا، ماذا كانت ردّة فعلي عند صرخة أمّي وهي تُبَشّر بقرب قدومي إلى حياةٍ لست أعرفها وأقول (تُبشّر) من باب ما جاء في حسن الظن!- عندما كانت تحملني في رحِمِها طويلًا. هل كنت هادئًا إلى الحدّ الذي لا ينتبه إليه أحد؟ لو كان ذلك فأظنّه كان هدوءَ الحكماء. أم كنت مزعجًا إلى الحد الذي لا يطاق؟ ولو كان ذلك فأظنّها كانت فرقعة البداية وحماسة الشباب، ولو جمعتُ النقيضين كنت أنا المجرّد من كلّ الأقنعة، كنت إنسانًا. العمر الذي نقضيه في غيابة الرحم -على الرغم من جهلنا بكثير من تفاصيله- ليس عمرًا قصيرًا، الرحم هو الملاذ المشترك الذي يسكنه الغنيّ والفقير على السّوَاء، كلّنا فيه ملوك مع مرتبة الشرف، يخدمنا فيه الجميع وعلى رأسهم سيّدة القوم، قطعةٌ من جنّة السماء: أمّي. يجتمع الأعيان والصغار في استقبالنا، في هذه الفترة من أعمارنا فقط نحيا ملوكًا يحبّنا الجميع ولا يكرهنا أحد، يكفي كلّ طفلٍ أبكى أمّه ألمًا وهي تتألم في ولادته أنّه أضحك الجميع فرحًا عند إطلالته الأولى، كل ما تريده هذه الأم أن يستمر هذا الطفل في سلسلة من الفرح اللامتناهي لنفسه ولمن حوله.. كيوم ولدته أمّه تمامًا. قرأت مرّة أن الدراسات تقول إنّ ٩٠٪ من وقت الطفل داخل الرحم يقضيه في غيابة النوم هذه المرّة- الأمر الذي يجعل الراحة تاجًا فوق رؤوس المتعَبين، وغفلةً في قلوب المترَفين، ويبدو من ذلك أن جميع القرارات التي تُتّخذ في شأن الطفل يكون فيها نائمًا حالمًا بالأيام القادمة فلا يستطيع أن يعترض على شيءٍ منها ولو بركلة معاتبة حانية، كما أنّ كلّ ذلك النوم الطويل قد يحمل تفسيرًا جيدًا لمن أنهكه الأرق في كبره كونه استنفد كثيرًا من نومه وهو في رحم أمّه. ماذا لو كان الطفل يستطيع اختيار كلّ التفاصيل المتعلّقة به؟ كأن يجمع أفضل ما في أبيه وأجمل ما في أمّه من صفات، هذه الخلطة الغريبة تُغرس فينا ونحن في غيابة الرحم، وما أن ينجلي النور حتّى ينكشف الغطاء عن كل حركة وسكنة تعود في أصلها إلى الأصل الذي نحن منه، فكرة ممتعة أن تبحث في نفسك عن أصل كلّ ما تقوم به، هل يرجع إلى رقّة أمك أم شدّة أبيك؟ عطف جدّتك أم حكمة الجدّ العزيز؟ نحن لا نرث المال فقط.. نحن نرث أكثر من ذلك قبل أن نولد. من الظُلَمِ الجميلة هي ظُلمة الرحم، كيف لنا أن ننسى الرفاه الذي كنّا نعيشه؟ شريطٌ طويل من الذكريات في حياتنا مفقود لا تستوعبه عقولنا ولا تستطيع حصر شيءٍ منه، إن لم تسعفني الذاكرة سأغرق في الخيال الذي قد يكون واقعًا من حيث لا أعلم، هل تذكر عندما أُريد لك أن تكشف فيها عن هويتّك، وكنت تتفنّنُ بالاختباء والدوران؟ ما الذي كنت تهرب منه في تلك اللحظة تحديدًا؟ ألا يكفيك أن تكون مصدر فرحٍ دائمٍ وأنت تقابل ذلك بركل من يؤويك ويحميك؟ ما هذا الجفاء والنكران؟ أم أنّه السبيل الوحيد الذي تهرب به إلى الحرية؟ كلُّ ذلك الملك سينتهي عند أول نفسٍ تأخذه عندما ترى النور، خوفي عليك أن لا تكون دنياك تستحقّ كلّ ذلك العناء والعنف، وأن الحياة التي تركل بطن أمك لأجلها تكون خاويةً على عروشها تعيش فيها تندب اليوم الذي أُذِن لك فيه أن تحيا فوق الأرض وتكون غصّتك في: [أين الطريق إلى دنيا بلا نكدٍ**فكوكب الأرض -يا الله- أشقانا.. لحذيفة العرجي]. بهدوءٍ يتكئ الحكيم على عصاه هامسًا في أذني: قد نختلف في بعض ما ذكرت يا بنيِ، ولكنّنا نتّفق أنّه لن تستمر في الشقاء ما دمت تواصل الركل هروبًا إلى الحياة.