حدّثني أحد الفراغات
04/08/2026
دقيقة قراءة
12 مشاهدة
النصوص العابرة
يحدّثني الفراغ كصديقٍ حميمٍ عاش معي العمر كلّه، يعرف كلّ أسراري بعدما تعرّف على كلّ أعذاري، ويقول لي؛ هل تذكر لمّا كنت تزورني وتجلس إليّ ساعات طويلة؟ تبحث عني فتجدني فاتحًا ذراعيّ أنتظر قدومك، وأضمّك إلى صدري الذي اعتاد حضورك، ونتسامر الهدوء حتى تملّ مني، فتنصرف عنّي. وكنتُ مستراحك الذي يخفّف عليك وطأة الأيام، وطبيبك الذي تجد معه أريحية في الكلام، وملاذك الأول هربًا من زحمة المهام. أحبّ كسلك، وأحتوي تعبك، وأجمّل لهوَك، حتى ألفنا بعضنا بعضًا، ولو كنتَ قد تركت مجالستي لصنعت المعجزات التي ركنتها على رفّ الأحلام. ولكنّي حزينٌ على نفسي، سعيدٌ بك وأنت تنتفس الحريّة بعيدًا عنّي، فتجد في الانشغال عنّي ملاذك في تحقيق أحلامك. بعدما قست عليك الحياة، وصرت مشغولًا حدّ الاختناق.. أدمنت أن تفعل المزيد، أن تقاوم الفراغ بصناعة الحياة.. بالبحث عن الوقت الذي تقول فيه للأحلام المؤجلة؛ لن يمنعني عنك الازدحام، آتٍ ولو من تحت الركام. وتبتسم لي أيها الفراغ بملء فيك، وتقول؛ المشغولون حقًّا، يجدون أوقاتًا أكثر من الغارقين في دهاليز الفراغ.