علاقتنا بالأصوات
04/08/2026
دقيقتان قراءة
11 مشاهدة
النصوص العابرة
خلق الله الإنسان وجعل أذنه نافذة الروح على الوجود، يترنم بجمال النغم ويأنس بهدير الحياة. إن علاقتنا بالأصوات هي لغة خفية تخاطب كوامن الفطرة؛ فبينما يبعث الصوت الرخيم في النفس انشراحاً، تأتي الأصوات العارضة لتختبر ثبات القلوب، وتذكرنا بأن الطمأنينة الحقيقية من سكينة الداخل لا سكون الخارج. حين تفاجئنا أصوات "المسيرات" أو دويّ "الاعتراضات" في جوف السماء، تضطرب الحواس لأول وهلة، فهو صوتٌ لم تألفه طباعنا المسالمة. لكن سرعان ما تتدخل "كيمياء الإيمان" لتهدئ من روع الروح؛ فالمؤمن يدرك أن كل صوت في الكون لا يخرج عن سلطان القدَر، وأن النفس التي استودعت أمرها لخالقها لا يهزها دويٌّ ولا يفزعها طنين. يظنّ بعضنا أنّنا "اعتدنا" على هذه الأصوات، والحقيقة أن هذا الاعتياد هو ارتقاءٌ في مدارج الرضا. لقد استبدلنا القلق باليقين، وأنّه "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا". إنها حالة من السموّ تجعل المرء يعيش يومه بسلام، مستنداً إلى ركنٍ شديد لا يتزعزع. وفي خضم هذا الضجيج العابر، تنبعث في النفوس ثقةٌ غالية، حين نعلم أن هناك عيوناً ساهرة لا تنام لكي ننام، وسواعد أبيّة نذرت نفسها لحماية هذه الأرض. إن تلك "الاعتراضات" التي نشاهدها في كبد السماء ما هي إلا رسائل طمأنينة عملية، تخبرنا أننا في حصنٍ حصين، وأن هناك من يبذل الغالي والنفيس لتبقى هذه الديار واحة أمنٍ لا يعكر صفوها عابث. ورغم هذا الاعتياد، تظل اليدُ على القلب حباً في الوطن الذي يسكن أرواحنا، وخشيةً على براءة تلك القلوب الصغيرة التي لم تجبل إلا على الهدوء، فنتساءل مع كل طنين غريب: متى تسترد السماء طهارتها، ويعود الصمت رداءً للسكينة؟ يا ربُّ، إن آذاننا قد كلّت من أزيز المسيّرات وأرواحنا قد أتعبها استمرار الاعتداءات. إننا نتوق إلى ذلك اليوم الذي نفتح فيه نوافذنا فلا نسمع إلا صمت الفجر، أو سكينة الحياة الآمنة. إن هذا الشعب الذي لم يحمل ضغينة، يستحق أن ينام قرير العين خلف جدرانه، فاللهم رُدّ إلينا أصوات الأمان، واجعل سماءنا بساطاً للرحمة لا ساحةً للحرب. سيبقى نبضنا مطمئناً بالدعاء، وعيوننا ترنو إلى الأفق واثقةً أن الله هو الحفيظ. سنظل نمارس حياتنا بسلام الإيمان وعزيمة الواثقين، فما دمنا تحت رعاية الخالق، وفي كنف حماةٍ أوفياء، فلا ضير من أصواتٍ عابرة تذهب مع الريح ويبقى في صدورنا "يقينٌ" ثابت كالجبال، أنَّ الغد أجمل، وأنَّ الأمان حقٌّ لهذه الأرض الطيبة.