بين كسرين .. ونظرة أمي
04/08/2026
دقيقة قراءة
12 مشاهدة
النصوص العابرة
كان آخر ما أذكره عيونها وهي ممتلئةٌ بماء الحب تنظر في داخل عيوني، لكني كنت أشعر في هذه النظرة بروح ملاكٍ تنساب برقّة الريشة من شبكية العين مرورًا بالمتاهات التي تسكن أضلعي حتى تصل إلى قلبي الصغير تربّت عليه يدٌ حانيةٌ أعرف شعورها جيّدًا، وكانت هذه النظرة في صراعٍ طاحنٍ مع تأثير المخدّر الذي يسري في وريدي استعدادًا لإجراء عملية جراحية بعد كسر مضاعف في يدي اليسرى.. كنت حينها للتو تجاوزت العاشرة من عمري! كانت أمي.. تمسح على رأسي تقرأ آية الكرسي، وفي كلّ قطعةٍ منّي تسمّي الله عليّ حتى أخمص قدميّ، وتنتظرني أصحو بفارغ الصبر حتى تعاتبني بجملتها الشهيرة: «متى بتهدّ الكورة عنك إن شالله؟» وأردّ عليها بأدبٍ تعرفه جيّدًا: «إن شالله» وغالبًا يكون هذا الرد تعليقًا لا تحقيقًا.. لأني أدرك في قرارة نفسي أني سأعود للّعب، ومحدثكم الآن قد تعافى بحمد الله من كسرٍ آخر اليد اليسرى أيضًا، وفي زيارته الأخيرة للطبيب كان يعده أنّه يستطيع اللعب مجددًا في القريب العاجل. يا له من خبر جميل! على الرغم أني أعلنت التوبة مرارًا، ولكنّ حظ نفسي وهواي ينازعني دائمًا، ويغلبني في هذه بالتحديد مرّاتٍ ومرات، وأمي أيضًا تعلم ذلك.. ومع ذلك فهي تحبّني مثل حبّها للطفل الذي كانت تنظر في عينيه وهو يدخل غرفة العملية قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، وتعاتبي خوفًا عليّ وأنا أحمل ابنتي في يدي مثل خوفها على الطفل التي كانت تحمله في يدها قبل ثلاثة عقود. فإن الأعمار في أدمغة الأمهات وهمٌ لا حقيقة فيه.. ومهما اشتعل الرأس شيبًا ستظل إلى الأبد رضيعًا في حضنها.