بلا عناوين
21/03/2019
ثلاث دقائق قراءة
10 مشاهدة
النصوص العابرة
يسألني قبل أن أكتب هذا النص، منذ متى وأنت وسط هذه الدوّامة؟ غربة تلك التي تعيشها النفس عندما تكون وسط الحكاية بتناقضاتها وأحداثها وأقدارها، القدر قوّة فوق البشر.. والغرباء قلّة قليلة. إنّها العاشرة والنصف ليلًا، بعد إلحاحٍ شديد اتفقت معه على تسجيل التعليق الصوتي، موعد التسليم صباح الغد. لا يرد على رسائلي، فقررت الاتصال به، لعلّه الآن في غرفة التسجيل. مرّت ساعةٌ، أُقلّب التواصل الاجتماعي، فإذا بي أُفاجأُ بالخبر: جدّهُ في ذمّة الله. يا ساتر: كم كنتُ مزعجًا، لم يمضِ وقتٌ طويل، فإذا به يأتي بالمطلوب مع رسالة قصيرة: تم الإرسال عزيزي. أنت لم ترسل تسجيلًا فحسب، أنت دُست على ألم اللحظة -وأنت المعذور- كي تفي بوعدك، وأرسلت مع صوتك درسًا لا يقوى عليه إلا قلائل في هذا العالم الذي يجد العذر في أنصاف المحن. لا توجد محنةٌ أكبر من الفقْد، تصلني قصةٌ أخرى، فتاةٌ رقيقة المشاعر تتّجه لتقديم حفل مهم، تستقبل خبر وفاة والدها وهي في الطريق، فتتغلب على اللحظة الصعبة وتقف أمام الجمهور، وتقدّم عرافةً استثنائية! من أين كلّ هذه القوة؟ هذا سؤالٌ لا أجد له جوابًا. بالمناسبة فالفنان المصري الكبير إسماعيل ياسين صعد خشبة المسرح لتقديم دورٍ كوميدي وهو يستقبل خبر وفاة أبيه، لا أعرف كيف تم ذلك، ولكنّه فعلها. لا أتسلى بسرد القصص وحسب، إنّ لكلّ قصة خباياها التي لا تنتهي، نصف الحقيقة هو ما نرى، والنصف كثير. كان يروي لي القصة وعينه تتلألأ: صديقتان من الصنف الذي تشتبك فيه العائلتان كثيرًا، يصيب أب الأولى مرض الموت، فتلزم الاثنتان المستشفى، واحدةٌ تشدّ من أزر الأخرى، الصديقة تنشغل بامتحانها، يتوفى الأب.. فترفع بنت المتوفى السماعة كي تؤكّد عدم وصول هذا الخبر لصديقتها كي لا يؤثر عليها في امتحانها. أيّ همٍّ تقرر حمله وحدها.. دون إزعاجٍ للآخرين واحترامٍ لمشاعرهم. البشر يتشابهون، والأحداث تتكرر حتّى في الأجيال الخالدة، يشاعُ خبرُ وفاة النبي -ص- في أُحُد، ينهار الصحابة،
يصرخ فيهم أنس بن النضر:
“قوموا فموتوا على ما مات عليه”، يموت النبي نفسه في أعظم مصاب المسلمين، فلا يقف صامدًا إلّا الصدّيق أرقّ الصحابة قلبًا: {يثبّت الله الذين آمنوا..}.
أكتفي بسرد القصة، ليس لا أنّي لا أجدُ العبرة، فالحياة مستمرة في قسوتها، ذلك حكم القدر الذي لا مفرّ منه.. كنت أجد تناقضًا غريبًا في فهم هذا الأمر، أظنّه ميّت المشاعر، ولكنّي لن أظلمه، قد يكون قويًا.. قوّة خارقة، لا لا.. الذي يبدو أنّه يفصل حياته الشخصية عن عمله، أو أنّه يحترم العهد والميثاق ولو على حساب نفسه: {يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}، دعك من ذلك، قد يكون تصرفًا عفويًا لا قيمة له، قد يكون وقد يكون ولن يكون لي إلّا أن أفتي: لا أعرف! لا تستعجل الحكم. [فمقادير البشر تبرز على منابر البتلاء لا على منابر الأقوال]، فما الذي أنت فاعله في كلّ تلك المواقف الصعبة.. هل تختار البطولة وتكون من أولئك القلائل، أم تأخذ الرخصة وتمضي؟ هذا قرارك الذي لن تستطيع الجزم به إن لم تجرّب بنفسك، أبعد الله عنا وعنكم الهمّ والحزن والألم.