دفاتر الابتدائية
11/01/2019
دقيقتان قراءة
3 مشاهدة
النصوص العابرة
كان يوصيه وجروح الفقْد لم تندمل بعد: عليك بِوَصلِ من تحبّهم ويحبّونها.. فذلك البرُّ بعينه. كنتُ في حفلِ زفافٍ لا أعرف لماذا أنتظره، كانت أمّي تذكّرني به كلّ يومين مرّة، تصرُّ إصرارًا غريبًا، كانت أمّ العريس -رحمها الله- الصديقة القريبة الوفيّة لأمي.. كانت أمّي تحتفل بابن صديقتها وفاءً للأيّام الأُوَل، تريد أن نكون جزءًا منها في يوم فرحه الذي غابت عنه أقرب الناس له ولها. هذا بِرٌّ لا يُرَدّ، حقّ العريس وحقُّ الأمّ وحقّّ من يعزُّ عليهما.. تقدّمت أبارك له، فأخذ بيدي إلى أبيه يقدّمني إليه: “يبه هاذي نوح ولد خالتي، عرفته؟”.. فضمنّي إليه: “إييي شلون ماعرفه، دفاتره كلها عندنا” ردّني بذلك الردّ ١٥ عامًا إلى الوراء.. الوراء الذي تحكيه القصص دومًا. يوم أن كنت طالبًا في الابتدائية، كانت أمّي تحرص حرصًا شديدًا أن نكون في الصفوف الأولى متفوقين دومًا، كانت من جملة ما توصي به أن تكون كرّاساتي ودفاتري مرتبةً يسهّل عليّ الرجوع لها عند الدراسة، وكنت أعينها بالتدوين المستمر داخل الحصص الدراسية. كانت أمّي تأخذ بدفاتري في نهاية العام وتهديها إلى صديقة روحها، كي تستفيد منها في تدريس ابنتها الصغرى، تخبرني أمّي أنّها كانت تسبق الزمن بدفاتري في تعليم ابنتها، وتقوم بعقد المقارنات بين المحتوى الذي تقدّمه مدرستي ومدرسة ابنتها، وتنوّع مصادر المعرفة لها.. كانت متفانية رحمها الله في تعليم أبنائها. كنت أُخبرُ أمي في مكالمةٍ مستعجلة بعد حفل الزفاف مباشرةً بكلّ هذه الحادثة والتي لم تتذكر كثيرًا من تفاصيلها، أخبرتها أنّي رفعت السمّاعة الآن فقط كي أخبرك بهذه الحكاية، وأنا الذي في داخلي أقول: شكرًا أمي، فإذا هي تسبقني: “ضارب لك وتد في وسط البيت كل هالسنين”. قلت في نفسي هذه بركةٌ ليس لي فيها لا ناقةٌ ولا جمل، كنت أمارس طقوسًا دراسيةً عاديةً، قرّرت أمي أن تجعلها استثنائيةً بدافع الحبّ فيها.. لم تكن تعلم أنّ شجرة الخير تثمر، ولو بعد حين. وكلّما أتاك خيرٌ تظنُّ أنّك لا ترجو منه شيئًا، قدّمه.. فالله يصطفي ويختار، ولا ينسى بِرًّا أبدًا.. ولو مضى عليه ١٥ عامًا. الجمعة – 11 يناير 2019