عندما ترى
04/08/2026
دقيقة قراءة
7 مشاهدة
النصوص العابرة
عندما ترى الطفل يُسحب من تحت الركام يختلط دمه بغبار الردم تلتفت إلى ابنك، تصرخ باسمه، تناديه، تبحث عنه، ولا تهدأ حتى تحضنه.. لأنك ترى في طفل غزّة صغيرك الذي في المنزل. عندما يرى طفلك الذي يعيش الأمان طفلًا مثله يعاني من حالة هستيرية يرجف فيها دون توقّف بعد نجاته من موتٍ محقّق، يجد طفلك نفسه متشنّجًا أمام حضرة الكائن الذي يشبهه في كلّ شيء. عندما ترى الشيخ يمشي فوق بقايا منزله الذي ظلّ يؤمّن تكلفته العمر كلّه وانهدم في ثانية واحدة، تذكر كم تعبت حتّى تسدّد أقساط بيت العمر الذي تعيش فيه الآن.. لأنّك ترى في نهاية حلمه سؤالًا شرعيًا: ماذا لو كنت أنا؟ عندما ترى المرأة في دارنا نظيرتها التي تحمل أشتاتها تهاجر من عراءٍ إلى عراءٍ آخر تبحث لها عن مأوى ومكانٍ صالحٍ للحياة، تتخيل الأم الصابرة عندنا كيف لامرأةٍ تحتمل كلّ هذا البؤس والتشريد. عندما يرى الطبيب هنا كمّ المشاهد المروّعة التي تمرّ على الطبيب في غزّة، فإنّه يستشعر حجم الألم الذي يعانيه وهو يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بلا مخدّرٍ تحت رحمة القصف الذي قد يمنعه من أداء عمله. عندما يرى الإعلامي كمّ التضحيات التي يمرّ بها الصحفيّ من أمثال صالح والدحدوح ومعتز يستخفُّ بدوره في التقاطةٍ عابرة أو مقطع يجدُ رواجًا واسعًا لكنّه بلا قيمة أخلاقية تُذكر. عندما يرى الإنسان العادي حجم المعاناة والدمار وطبيعة الحياة التي يعيشها أهل غزة، يستحقرُّ كمّ التفاهات التي يُغرق بها يومه، ويحدّث نفسه بسُخف اهتماماته، إلى أن يدرك أنّ النعم لا تدوم. لم تبقي أحدًا يا غزّة إلا وصنعتِ له إطارًا يستطيع تخيّل نفسه فيه، وكتبتِ له قصّةً يراها في أهل بيته، وأشعلتِ في داخله شرارة الانتباه والالتفات، حتى أنّكِ لم تعذري أحدًا.. فكيف لمثلك ألّا ينتصر؟