منهك
04/08/2026
دقيقة قراءة
11 مشاهدة
النصوص العابرة
وأنا منهكٌ حدّ النزع الأخير، كأنّي فارسٌ قتله التعب بعدما تكسّرت على وقع سيفه عشرات السيوف، أرمي بجثّتي على سرير بارد بعد يوم طويل في مشهد يليق بنهاية أسطورية لبطل لم يعرف الاستسلام، خاض معارك يومه ببسالة وإقدام، أنازع جفني في استراحة محارب يتفنّن فيها النوم بجلدي والتلذذ بعذابي، أحاول ضمّه إلى صدري فيفرّ مني، ويقبل منّي التظاهر برمش عيني، أنام الليل كلّه مستيقظًا، أتحسّس الأشياء من حولي، وأناقش أسئلة الوجود في رأسي، وأطبطب جراحاتي بحسن ظنّي، وأرسم أحلامًا عظيمة في مخيّلتي، وأواسي ضميري كي لا يأنّبني أكثر، فيكفيني من هذه الليلة أن يصارعني النوم وحده.. وأطمئن للفكرة التي تمسح على قلبي: لا بأس في هذه الحياة أن يُصرع المحارب مرّةً ما لم تقتله الضربة القاضية. لهث مستمر يلهث الناس وراء سرابات حالمة يسمّيها العالم اليوم أمجادًا، ينطلق أحدنا مسرعًا كرمحٍ أحمر يشقّ الرياح حتى يخترق قلب قاصده، يتساقط ضحاياه تباعًا من فرط تعلّقه بنفسه في كل تفاصيل يومه، ترمقه العيون البائسة كسيرةً حين تلتقي بعينه المثقلة بالعناد، يمسح بأطراف البنان دمع الشهود ودم الشهداء في آخر جولة من صراع البقاء، ثم يخفّف سعيه ويمشي على أطراف أصابعه خشية أن تخدش جبروته آثار المنكسرين في الطرقات، يعتلي قممًا من ركام المظلومين لينفرد في صدارة الوهم، وعندما يصلُ قمّته المصطنعة لا يسمع تصفيقًا، وإذا ما التفت إلى معشر الجماهير لا يجد أحدًا.. حينها فقط يدرك أن الحياة ليست حربًا على الدوام، وأنّ الهزيمة الجماعية في لحظات الضعف خيرٌ من الانتصار وحيدًا على ظهور الأشلاء.