المدونة
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
أحاول.. التعبير عن الفكرة التي تجول في خاطرة، وأكتب الشعور الذي أظنّه يشبهك. أفلسف الحدث العاديّ بحثًا عن المعنى.. لعلّي أجد في فوضى الحياة رشدا.
14/04/2015
دقيقة قراءة
8 مشاهدة
النصوص العابرة
هنا حيث بعض الأحياء أموات على الأرصفة… يجوب ابن الثانية عشرة شوارع إسطنبول بعربته الثقيلة يجرّها أمامه بمشقّة وصعوبة ويجرّ معها أحلامه وأمنياته بالعيش والحياة الكريمة حاملًا بها أكواب الشاي التركيّ يكرِمهم ومعه قوارير الماء يرويهم . لا تعرف لهُ تعبًا أو تميّز له مشقّة، فهو يخفيها خلف أنهر ٍمن الدموعِ يسكبها على قارعة الطريق يشعُّ منها نور التصميم الإرادة ليضيء للكسالى طريق الجدِّ والعناء . ابتعنا منه ليس ريّا للعطش، أو طمعًا في لذّة الشاي، ولكن لنقول لمحمود: أنت قدوة في الصبر والكفاح وأنّك تستحق تلك الليرات -العملة التركية- على جهدك وسعيك . من يأتي صغيرًا ويكون أحد أركان إعالة الأسرة من (ماردين) -في حدود تركيا- تلك المنطقة الفقيرة ذات التركيبة المختلطة من أكرادٍ وأتراك وعرب إلى إسطنبول يطلب لقمة العيش بعرق جبينه بل ويبتسم ويستمتع بعمله.. يستحق التكريم ولو بمسحة على رأسه تذكرهُ بها أنّك طفل.. و أنّ هذه ليست مهمتك ! فالدلال والحنان حظُّ الطفل من الحياة.. ذلك الحظّ الذي لم يحالف محمود وانحاز عنه، لتكون قسمته منها الكـدّ منذ الصغر والكسب منذ نعومة الظفر، فهو الرجل في صورة طفل . محمود درسٌ لمن تعوّد الراحة والدَعَة، وأتاه رزقه فيهزُّ رأسه طلبًا للمزيد وهو قاعد دون عمل، أو ذاك الذي استسلم للحياة واتّكلَ بل تواكل ينتظر الرزق.. أو حتى سعى له شحتًا (طرارة) دون كفافٍ ولا عفاف ! دقائق الإلهام التي تدفّقت وميضًا من عينيّ محمود أسكُبها حبرًا على ورقٍ لا يجفُّ كي يرى العالم الرجل الصغير الذي يستحق أن يكون نموذجًا في زمن النماذج المطاطيّة، فيقتدي به الفقير والغنيّ، ويتعلم منه الخامل والساعي، وتنتفض الروح لتبث أرواحًا تبني نفسها لا شهرتها . في تركيا الكلّ يستمتع بالعمارة العثمانيّة الفريدة، والطبيعة التي تسحر النفوس قبل العيون.. وأنا مقرٌّ بذلك كلّه، إلّا أنّ محمود هو الفريد من نوعه، هو الدّرس بلا أستاذ، والأسطر بلا كاتب، هو القدوة.. القدوة التي قليل ما أراها في شابٍّ لم يبلغ الثانية عشرة من عمره . محمودٌ ذلك الفتى الذي أخذ من اسمه نصيب، فهو محمودٌ بعنائه وسعيه، صبره وكفاحه، فلم تأسره قسوة الحياة في سجن الفقر والمهانة، ولم ينتظر السماء تمطر عليه ذهبًا ولا فضّة.. فاستحق ليرات السيّاح وصورةً للذكرى، وأسطرًا تحكي قصّته.. قصّة الرجل الطفل.. “فشكرًا محمودُ إسطنبول” .